بيار الجميل شهيد تزهر دماؤه في زمن الحرية والاستقلال.. والاستحقاق
عمر حرقوص
عمر حرقوص
قبل عام من هذا اليوم لم يدرك بيار الجميّل أن حادث اصطدام إحدى السيارات المفاجئ بسيارته التي يقودها هو آخر مشهد في حياته. كما غيره من الشهداء في أغلى استقلال في العالم ذهبت الروح فجأة والرصاصات التي اخترقت الزجاج والجسد، كانت أسرع من أن يدرك ساكنو الحي الهادىء أن النهايات الحزينة تقضي على أجمل ابتسامة يحملها رجل في أول العمر.ذهب العمر بسرعة نسمة هواء أو حياة عشبة برية طرية وندية ولدت في الربيع ومرت عاصفة بعد أيام اقتلعتها من الجذور وأرسلت قطرات الماء التي تحملها في الهواء. اللحظات الأخيرة من الاصطدام ونزول المجرمين من سياراتهم ووصولهم إلى باب السيارة كأنهم يقومون بتمثيل فيلم سينمائي. يطلقون النار فتتحرك الرصاصات في الزجاج الداكن قبل أن تصل الرأس والجسد. لم يدرك بيار الجميل في هذا الوقت أن الرصاص هو لقتله واغتيال وطن.
قبل عام من هذا اليوم كان التحضير لعيد الاستقلال، وبيار الجميل لا يهدأ. وآخر محطاته كانت في بكفيا حيث تمثال جَدّه، يتقدم منه ويضع له زهوراً على الرخام الأبيض كأنه يهديه تحية للقاء يأتي بعد ساعات. يختفي النهار الطويل بسرعة. ولقاءات جميلة مع الأحبة. حديث مع الزوجة عن الذهاب إلى السرايا الكبيرة والبقاء هناك. مناداة الطفلين أمين والكسندر، واللعب معهما طويلاً قبل ذهابهما إلى المدرسة حيث يجمعان الحروف والألعاب ويرسمان كل يوم الأب والأم والبيت الصغير وبعض الأشجار وشمسا ساطعة. هو عام طويل على العائلة التي يظن صغيراها أن أبواب السماء لا يمكن كسرها. هي قاسية وصعبة جداً لخروج الأب منها ولو قليلا للقائهما.
الأزمة السياسية التي توالت منذ التمديد لراعي النظام السوري في لبنان إميل لحود، والانهيار الدراماتيكي في أمن اللبنانيين مع قليل من الانتصارات الصعبة التي حققت طوال الأعوام الثلاثة، لم يسمحا بنشوء الدولة القوية ولا ببنائها بعد خروج الاحتلال السوري. فخلال الأعوام الأخيرة وبعد الاغتيالات الكثيفة لقادة الاستقلال، لم يتراجع هجوم المعارضة عن تحويل لبنان إلى ساحة للصراعات الإقليمية وحماية النظام السوري في جريمته المتسلسلة مع الوقت. قبل عام كانت الأزمة تتصاعد والوزراء يتجهون الى السكن في السرايا لمنع احتلاله ومحاولة منع اغتيالهم. بقي بيار الجميل خارج دائرة الواصلين إلى السرايا فانهمر الرصاص منهياً حياة وزير ونائب في محاولة للقضاء على أكثرية الثلثين في الحكومة من جهة ولتقليص عدد النواب في المجلس النيابي في طريق القضاء على الأكثرية من جهة ثانية.
التهديدات أخذت هدنة بسبب تشييع الجميل ودفنه. قالت المعارضة عبر بعض المؤسسات الاعلامية وعبر بعض رجالها إنها لن تسمح بمرور المحكمة الدولية وتردد الحديث عن الخطة رقم صفر واحتلال المؤسسات والشوارع، ودخول المراكز الحكومية ومنها السرايا الكبير. تتشابه تلك التهديدات التي كانت تمرّر في وسائل الإعلام مع التهديدات التي تمر في هذه الأوقات وبنفس الصيغ عبر مؤسسات إعلامية. قبل عام جرّبت المعارضة الدخول في لوائح التهديدات والاستقالة واحتلال الوطن لمنع إقرار المحكمة الدولية في مجلس الوزراء، فيما اليوم يأتي الاستحقاق الرئاسي فتتخذ المعارضة نفس التوجهات وكأن التاريخ يعيد نفسه مرة كمأساة من خلال تغطية القاتل الساكن في دمشق بإعطائه حيزاً دفاعياً كفيلا بحمايته سياسياً وأمنياً، ومرة كمهزلة في بقاء هذه المعارضة محتلة للشوارع ومنهية جزءا أساسيا من اقتصاد الوطن، بالإضافة إلى تحويلها مناطق لبنانية إلى مغلقة وأمنية بالكامل باسم مواجهة العدو. ومرة ثالثة كمهزلة في رفع الأيدي والأصابع متخلية عن المنطق ومهددة حياة الناس.
رعب العام الماضي انتقل بعد عام إلى حياة اللبنانيين. الخوف من إرسال الأولاد إلى المدارس والخوف من الذهاب إلى الأعمال. كأنه العام الماضي حين أوصلوا السكين إلى رقبة الشعب اللبناني وبدأوا عملية الذبح. عام صارت فيه أدوية الأعصاب والأطباء النفسيين قبلة الناس. فيما صار الحديث عن التهدئة عالياً أضاعوا الفرصة باستخدام الشارع وإفلات وئام وهاب وغيره للتهديد باستعمال السلاح في وجه اللبنانيين. مغامرات غير محسوبة أو محسوبة بدقة كبيرة ثمنها الانضواء تحت علم حزب البعث السوري وجهابذة الجبهة التقدمية.
قبل أكثر من عام كانت رائحة بارود شحنات الصواريخ الإسرائيلية المنهمرة على لبنان تغطي مساحة الوطن. بعدها جرى احتلال الوسط التجاري وتحويله إلى مربعات متنوعة من الأمنية الممنوعة الدخول على الجميع بمن فيهم الحلفاء، إلى مربعات لشي اللحمة وضرب الكأس ومنع مرور السيارات. يهبط التريُّف إلى طرق بيروت حاملاً معه الأزهار القروية والعتابا والميجانا والدلعونا. كان صوت عريف الاحتفال ومطلقي شعارات إسقاط الحكومة ينطلق من ساحة رياض الصلح عالياً، ليسمعه الساكنون على الأطراف الأخرى لبيروت. كأنه راعٍ يرسل صداحه من رأس جبل إلى آخر. أو كأن آلة الرعب تعمل كل الوقت لتخويف الناس.
الليلة الأولى كانت إعلان فشل الاعتصام، يومها اضطرّ “الأشاوس” الي فكّ الحصار الكامل عن السرايا بعد ساعات من إغلاقه من كل الجهات. كان لهذا الانسحاب وإعادة التموضع تنفيس واضح لكل الصراخ الذي انطلق من منبر رياض الصلح وإخماد همة كل الناس الذين أخبروا أن طريق القدس تمر في وسط بيروت وطريق قصر “الشعب” في بعبدا تمر بإنهاء حكومة الرئيس فؤاد السنيورة. ظل الاعتصام في مكانه مرتعاً للتهديد وحمل الناس على رفع الصوت بالشتائم، كأن هذه الأصوات هي القادرة على دبّ الرعب في حياة اللبنانيين فيفرغون الوطن ليستتب الأمر مجدداً لأولاد الوصاية القدماء والجدد.
الهجوم لاحتلال بيروت حصل في وقت لم يجف فيه دم بيار الجميل بعد. أيام قليلة من القتل تأتي الاستقالات من مجلس الوزراء، كأن القرارات المتخذة باستكمال المأساة متكاملة في شكلها ومضمونها. ينسى وزراء المعارضة شهيداً شاباً ويتخلون عن الوطن بأوامر من قيادات همها المبارزات وإسقاط الوطن في وحول الضياع. المعارضة تعلن بوضوح خطتها لإنهاء السبيل الوحيد لمحاسبة مجرمين يقضون على أمل العيش في الوطن.
القرارات المصيرية لانقاذ الوطن من القاتل تصير نيراناً سوداء ترتفع من دواليب السيارات المشتعلة في المناطق. نهار طويل من الدخان الأسود والإجرام بحق التنفس والبيئة والسياسة والاقتصاد يفشل الهجوم على حياة الناس فيرتدّ المعتصمون على المحال التجارية في وسط بيروت ويحاولون إحراقها كأن قائدهم نيرون وهم جنود الرومان. المواطنون يقومون بفتح الطرق بقوة سواعدهم في العديد من المناطق. يتحول نهار المدينة إلى سواد يغطي على سواد الحزن بعد جرائم القتل وبعد عامين على استشهاد الرئيس رفيق الحريري. محاولات إثبات القوة تتنقل من الدواليب إلى حمل السلاح ومهاجمة جامعة بيروت العربية والطريق الجديدة. دم يراق مجدداً. في سلسلة طويلة من إجرام بتغطية محلية تحميه من المحاسبة. فيضيع دم الزيادين كما ضاع دم كل اللبنانيين. فيما تظل أوامر بشار الأسد في 14 آب 2006 السكين التي تقتل وتمنع بناء الوطن.
رحل بيار الجميل وهو متجه إلى السرايا ورحل وليد عيدو في رأس بيروت لتعبيد الطريق أمام المرشح السوري إلى رئاسة الجمهورية عبر إنهاء الأكثرية.يتقدم القاتل كل مرة خطوة فيما حياة اللبنانيين تتراجع من خلال التهديدات وعمليات الاغتيال المستمرة. انطوان غانم شريك بيار الجميل في حزب الكتائب وفي المجلس النيابي وفي الانتماء إلى الوطن و14 آذار يصل إلى بيروت في رحلة تشبه رحلة جبران تويني، الشهيد الذي تشرب الأرض من بقايا دمه المتناثرة فوق أعشاب جبل بعيد من الناس. يتحول القتل إلى إنهاء لكل المنطق الذي يحكم العلاقات. ويتحول المعارضون بعد كل جريمة تتعرض لها الأكثرية إلى تحويل الاتهام إلى أبناء وآباء الشهداء. فيما يصير للقاتل آلاف المنازل والعيون التي تحميه كلما أُسقط رجل من 14 آذار. يجد مجرم دمشق بيتا بمنازل كثيرة، من حلفائه القدماء وحلفائه الجدد.
في انتخابات المتن حضر بيار الجميل في صوت والده أمين وحضرت روحه في قلب زوجته باتريسيا وولديه أمين وألكسندر، ودموع والدته وأخوته. حضر صوته عالياً مع ناس المتن. ليعلن معادلة جديدة في الشارع المسيحي فيها العودة إلى مشروع 14 آذار بعيداً من تغطية المجرم وحمايته. كان صوته في المتن أقوى من تجار الوطن. وكان في دمه المغروس كشجرة يورف أملاً في الحياة ضد الموت والقتل.
في المنزل العائلي تزداد صور بيار الإبن والأخ والأب، هو في ابتسامته يدخل الطمأنينة إلى قلوبهم. كأنه خرج ليعود بعد قليل. أولاده يرسمون السماء مجدداً وهي تحمل صورة الأب الذي يحلمون بعودته قريباً. بعد عام من القتل تتحول دموع أحبته المسالة على قبره شجراً وزهوراً كل دمعة تحكي عمراً وكل شهقة بكاء تأتي صورة لأيام جميلة رحلت.