#dfp #adsense

استقلال 2007 ….تحدّيات الرئاسة الضائعة والفراغ المحتمل

حجم الخط

استقلال 2007 ….تحدّيات الرئاسة الضائعة والفراغ المحتمل

هيام القصيفي 

  

لن تكون المرة الاولى التي يحتفل فيها اللبنانيون بعيد الاستقلال، فيما ترتفع فوق روؤسهم أصوات التهديد بالحرب والتدهور الامني. فمنذ عام 1975، وحتى اليوم، نادرا ما أتت المناسبة بعيدة عن التراشق الكلامي وأصوات المدافع، ونادرا ما احتفل لبنان باستقلاله، الا على وقع التدخلات العربية والغربية، والوجود السوري والاحتلال الاسرائيلي.
 لكن المناسبة اليوم تأتي شديدة الوطأة، فيما يشرف عهد الرئيس اميل لحود على نهايته، من دون ان تظهر بوادر امل توحي بإمكان ان يسلم الأمانة الى رئيس جديد للجمهورية.


للمرة الاولى يخرج رئيس للجمهورية من دون ان يقوم احد بجردة حساب له، اذ شهد هذا العهد ما يكفي من محاسبات ومناوشات كلامية وتهديدات واغتيالات ، كما شهد انسحاب الجيش السوري والجيش الاسرائيلي من لبنان. ولحود الذي اصر على البقاء في كرسي الرئاسة حتى آخر لحظة، رافضاً التنازل عن الموقع الماروني الاول، مصرا على اتمام ولايته الدستورية الممددة، قد لا يجد من يسلم له مفاتيح القصر الجمهوري. وسيبقى القصر تاليا في حماية الحرس الجمهوري يمنع الدخول اليه الا لرئيس الجمهورية المنتخب وفق الاصول الدستورية أي وفق غالبية الثلثين.


وقبل ساعات من موعد الجلسة النيابية التي حددها رئيس المجلس نبيه بري، بقي أمل ضعيف في امكان التوصل الى تسوية مرضية لطرفي المعارضة والاكثرية، فيما كانت تتهاوى كل المواعيد السابقة التي حددت لاعلان نجاح التسوية التي تحفظ النظام اللبناني، والتركيبة التي ارساها اتفاق الطائف.


لكن الخطورة في ما يحصل في الساعات الاخيرة من المفاوضات، انها حتى لو ادت الى انتخاب رئيس واياً كانت هويته، فرئيس الجمهورية سيأتي مثخنا بجراحات التسوية . وهو بذلك يكون قادماً على جواد ابيض، ولكن منهكاً بالسهام التي وجهت اليه، أياً يكن اسمه، ولو ورد في اللائحة البطريركية، التي كان كثيرون يفضلون لو لم يخض البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير غمارها.


فالرئيس العتيد الآتي في ربع الساعة الاخير، وبعد كمّ من السجالات ومن حملات التشهير والتعليقات المتبادلة حوله، سيكون محكوما بثقل هذه الحملات وبتأثيراتها الجانبية، التي تحوله اسيرا للتجاذبات الداخلية، التي ستظلل أول شهور عهده.


مع العلم ان اولويات أي رئيس جديد ستكون تأليف حكومة وفاقية، مع ما تلحظه من حصص طائفية وحزبية، واقرار قانون للانتخابات واجرائها، اضافة الى اقرار سلسلة تعيينات امنية وادارية. وكلها افخاخ تحتاج الى رئيس غير مكبل بقيود من  أتى به في الساعة الاخيرة على عجل، لانهاء الملف اللبناني والانصراف الى تسويات اقليمية او دولية اخرى.
وهنا تكمن المساواة بين الفراغ، والرئيس الآتي من منظار التسوية المستعجلة، من دون أي رؤية متكاملة للحل، تضمن الحفاظ على الصيغة اللبنانية. وهو امر كان يحتاج الى ان يكون المسيحيون اول المبادرين اليه، لانهم وحدهم سيكونون ابرز الخاسرين من أي تسوية ” تسلق ” على عجل.


ومشكلة المسيحيين انهم دائما يتأخرون، ولعلها طبيعة لبنانية مزمنة. فعبارة ” تأخر الشتي” التي حفظناها من فخر الدين الرحباني في رهانه على الشتاء كي تنجح حربه ضد العثمانيين، هي افضل تعبير عن رهانات متأخرة لا تأتي ابدا. ففي آخر لقاء جمع عام 1988 الرئيس امين الجميل مع الرئيس حافظ الاسد في دمشق وقبل انتهاء ولاية الرئيس اللبناني، وصل خبر الى الاسد ان قائد ” القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع انتقل الى وزارة الدفاع للاجتماع بقائد الجيش حينها العماد ميشال عون. وبحسب رواية كريم بقرادوني في ” لعنة وطن”  نقلا عن الجميل “انه  منذ تلك اللحظة تبدل مناخ المحادثات وراح الرئيس السوري يتصلب في مواقفه”.


حينها تأخر جعجع. واليوم تأخر المسيحييون في انضاج تسوية تعيدهم الى مراكز القرار ولا تجعلهم اسرى لوائح متنقلة من عين التينة الى قريطم. ولم يتبق لهم سوى ساعات معدودة ستكون حكما من اصعب الساعات التي ستترك اثرها على مستقبلهم السياسي.


كانت دول العالم العربي، وفي مقدمها مصر والسعودية والاردن، تراهن على دور مسيحي لانقاذ الاستحقاق من الفخ المرسوم له. لكن المسيحيين وقعوا في الفخ، الامر الذي استدعى قدراً أكبر من التدخلات العربية والغربية وعلى مستوى عال من اجل انقاذ التسوية. والخطورة ان التسوية الرئاسية ليست محصورة بالواقع اللبناني، بل هي ترجمة حية لعاصفة تقبل عليها المنطقة، نتيجة الصراع الاميركي الايراني المتجه الى مزيد من التصعيد. وتحاول الدول العربية قدر الامكان إنقاذ نفسها وشعوبها من هذه العاصفة، وتحاول معها سحب سوريا من الفلك الايراني، لان أي مواجهة اميركية مع ايران، تكون سوريا الطرف الثالث فيها، يعني انعكاسا خطيرا على الشارع العربي برمته. من هنا جاءت زيارة الملك الاردني عبدالله الثاني الى دمشق، واحتمال زيارة وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل اليها، اضافة الى الاتصالات الروسية والفرنسية بها وعلى اعلى المستويات. وما العقدة اللبنانية الا الترجمة المباشرة لامكان فك سوريا من حلفها الايراني وعودتها الى الحضن العربي، واقناعها بالذهاب الى مؤتمر انابوليس محاطة بدعم عربي شامل.


مساوامات في مهب الريح

وسط هذه المؤشرات الاقليمية يدخل الوضع اللبناني في جملة مساومات لم تتبلور بعد نتيجتها. ففي وقت بدأ هامش المناورة يضيق على اللاعبين، ارتسمت صورة غير مشجعة عن الواقع اللبناني، الذي يشارف على لحظة مصيرية ضاغطة، في ظل ترجمة عملانية للتشنج الاقليمي. فالاكثرية النيابية حددت موقفها بوضوح الرافض بقوة للوزير السابق ميشال اده. ولمجرد اعادة التذكير بالمقولة السورية – الاميركية التي طبعت انهيار عام 1988 أي “مخايل ضاهر او الفوضى” ، بالقول ان السوريين يطرحون ” ميشال اده او الفوضى” يعطي دلالة واضحة عن مدى التشبث الاكثري برفض اده. ولفت احد قادة الاكثرية الى ان المعادلة السورية تقول “اده او الحرب”. وتتشبث الاكثرية ايضا بمبدأ الذهاب الى مجلس النواب وترك الخيار لأعضائه لاختيار احد الاسماء الواردة في لائحة بكركي.
اما المعارضة، فتتشبث بمبدأ اختيار مرشح واحد قبل الذهاب الى المجلس، وتتحدث عن ان اده موجود على اللائحة البطريركية بدعم من البطريرك صفير، الذي يعتبره رجل الكنيسة المارونية وله تاريخه السياسي العريق وخدماته على الكنيسة قبل ان يتسلم رئاسة الرابطة المارونية وبعدها. وسوريا قبلت به كاحد ابرز المنظرين ضد الصهيونية ومعروف بمواقفه الوطنية، وخصوصا ازاء اسمين وردا في اللائحة البطريركية تعتبرهما دمشق مواليين للنائب سعد الحريري شخصيا”.
ويذكر احد المعارضين بانه في عام 1988 ارسل النائب مخايل الضاهر  الى البطريرك صفير رسالة عبر المطران رولان ابو جوده يقول له فيها انه ” لا يجوز اعتبار المسيحيين المقيمين خارج المنطقة الشرقية مسيحيين درجة ثانية او اقل تمسكا بالقيم الوطنية”( كتاب البطريرك السادس والسبعون – انطوان سعد). اضافة الى انه نقل اليه انه يخضع لارادة النواب المسيحيين المجتمعين في بكركي. لم يقبل القادة المسيحييون يومها بالضاهر، واليوم لا يقبلون بإده، فهل يقبلون بالفوضى؟”.


في المقابل ترفض المعارضة اسمي روبير غانم وميشال الخوري بقوة، لا بل ان قياداتها  واوساطها الاعلامية تسهب في الحديث عن المآخذ التي تسجلها عليهما المعارضة، الامر الذي يعني ان فرص التوصل الى وفاق حقيقي حول الاسماء الثلاثة تكاد تكون شبه مستحيلة. واي تنازل من “قوى 14 آذار” لصالح اده تعتبره اوساط الاكثرية رضوخا للضغط السوري، يضاف اليه اشتراط المعارضة بالثلث المعطل او حتى ما بدا يصطلح على تسميته “الفيتو الشيعي الحكومي”. واي تنازل لصالح غانم او الخوري من المعارضة ترى الاخيرة انه يصب في خانة اعطاء الاكثرية مزيداً من السلطات ويجعلها تتحكم، في تأليف الحكومة الجديدة، على اعتبار ان العادة قضت بأن يكون للرئيس الجديد حصته في اولى حكومات عهده. فهل يعقل ان تقبل المعارضة برئيس جمهورية من الاكثرية وبرئيس حكومة تابع لها، أي بالحصتين معا؟.


تتحدث اوساط عن ان الرئيس الجديد هو بمثابة “طربوش” لهذه الازمة وللمؤسسات الدستورية، أي انه لا يأتي بدعم مناطقي او حزبي واسع، يسمح له بنيل حصة في المشروع الجديد للحكم، خلافا لما كان عليه الحال مع رؤساء الجمهورية السابقين.


لكن الخطورة تكمن وسط كل هذه التجاذبات ان ثمة مشاريع تحضر لمرحلة ما بعد الفراغ اذا ارسى قواعده في لبنان. فالفراغ الذي انتج اتفاق الطائف عام 1988 قادر على انتاج تسويات اخرى قد تكون اكثر ايلاماً، والخوف الاكبر الذي لم يستوعبه المسيحييون بعد، ان يكون الرئيس اميل لحود آخر رئيس ماروني في جمهورية الطائف. 

المصدر:
النهار

خبر عاجل