#adsense

واحد كألف..

حجم الخط

واحد كألف..

النقيب رشيد درباس

 

ألف يوم ونيّف، والزلزال يتوالد ارتدادات أدهى وزلازل أشرس.
ألف يوم ونيّف.. والأرض تزداد رخاوة، وترتفع حرارتها إلى درجات غير متوقعة، وسكانها في حَيرة من أمنهم وغموض من أمرهم، يدهمهم الوعيد المتلفز والأصوات المزمجرة، كصيّبٍ من السماء فـ”يجعلون اصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت”.


ألف يوم ونيّف، والفتنة تستوقد الفتنة، والهول يفضي إلى الأهوال، والشفاه مزمومة والبال على قلق، وكلّهم ينظرون إلى صورة رفيق الحريري الذي لم يغيّب الموت عن عينيه الثقة بمستقبل لبنان، لانه كان واحداً كألف، فيما نرى الألوف لا تملك إلا التأفف وانتظار المصير الذي لا يد لهم فيه.


ازدحمت بيروت بمندوبي العواصم، كما ازدحمت العواصم بأزمة بيروت، وكل يوم يمرّ تفقد فيه السياسة اللبنانية مزيداً من المساحة لمصلحة الدول التي آثر بعضها ان يتجنب ويلات الصراع على أرضه، وذلك بإجرائه بالواسطة على الساحة اللبنانية المثخنة بالجراح.


بيننا وبين الإستحقاق ساعات كافية لتعلن لنا أنه ليس لنا فيه أي حق، وأن القرار بشأنه سيتخذ على ناصية التجاذبات الدولية، بحيث ترتبط نجاتنا بالخروج الهادئ من مضيق هرمز، أو بالخروج من الخريطة إذا اخرجت الأرض أثقالها، وقذف الخليج لهيب النفط من باطنه.


لقد أثبتت “الشعوب اللبنانية” على حد تعبير الاستاذ سركيس نعوم، عدم قدرتها على التقاط اللحظات التاريخية الاقتصادية، ففوتت الفرصة تلو الفرصة وذلك بالاستعانة بالخارج للتغلب على فرقاء الداخل، فخاب فألهم وثبت جهلهم ورغم ذلك ما زالوا في عَمَهٍ سادرين.


لقد أجمع اللبنانيون على دعم المقاومة التي استبسلت حتى اتخذت إسرائيل قرارها بالانسحاب عندما اختل لديها ميزان الربح والخسارة، فجعلنا من التحرير بعد ان تحقق وسيلة للاختلاف والصراع، حتى يصل الأمر بالرئيس السنيورة أن يدعو في رسالته الأخيرة للتوافق بين خط التحرير وخط السيادة، وهذا بحد ذاته مآل لا يبشّر بخير الوطن، لأن السيادة هي التحرير والتحرير هو السيادة، وخلاف هذا فإن أياً من أصحاب الخطين يدعي زوراً ويتقنّع بهتاناً ويظهر على غير جوهره.

هكذا يتسرب من لبنان دوره الاقتصادي والسياسي والثقافي والحضاري، لأن بعضنا أراد من تحرير جزء من الوطن وسيلة للهيمنة على الوطن كله، وبعضنا الآخر نصّبته الظروف التاريخية حارساً على الكيان، فأهمل الكيان بل وساهم في تهديمه من أجل الصراع على وظيفة الحارس، فيكتفي من المجد الذي أعطي له باللقب الفارغ من المحتوى، فيما الكيان يسير حزيناً إلى أحد أخبار كان.


بعد كل الذي جرى، لم تعد الألفاظ المورّاة مفيدة، بل لا بدّ من القول الصريح الذي يجب أن نتوجه به إلى العقول، فالمعجزة اللبنانية قائمة منذ زمن على فائض نفط الخليج العربي، والبنية الاقتصادية اللبنانية مرتبطة ارتباطاً جوهرياً بتحويلات اللبنانيين وأعمالهم الناجحة رغم خسارة فرصة لبنان أن يكون العاصمة الخدماتية للفورة النفطية التي اخترعت البدائل من حبات الرمل الساخنة وهجير الصحراء، إلا أن تماسكنا الاقتصادي على وهنه مرتبط بفائض النفط العربي، فلا يعتقدنّ أحد رغم حق الشعوب باستغلال الطاقة النووية، بأن الفائض النووي القادم من الخليج الفارسي يمكن أن يقوم مقاماً أو يسد مسداً، لأن الفارق بينهما كمثل الفارق بين الدورة الدموية الطبيعية والدورة المصطنعة، ولأن لبنان العربي المقاوم المعادي لإسرائيل، لا يستطيع أن يظل في حالة احتدام مستدامة بانتظار ما يسفر عنه صراع الشرق الأوسط، بل هو إذا استقرت أوضاعه السياسية والأمنية، وانتظمت استحقاقاته الدستورية وفقاً للقواعد الديموقراطية، سيكون منتمياً بالحق والصدق والإرادة، لا بالتهديد والوعيد والقسر، إلى قضيته انتماء طبيعياً، فحذار، حذار من دفع جماهير هائلة إلى التعبير عن ضيقها بقول ما لا يمتّ لتاريخها وقلبها بصلة، وحذار حذار من أن ننزلق في غيهب مجهول الغور.


إن لبنان يستحق أن يكون..
إن الأمة العربية بحاجة إلى لبنان..
إن المقاومة فعل توافق لا سبب تنابذ..
إن ألف يوم مرّت على غياب الحريري كافية لكي ندرك أي أمل مات في سبيله… إنه واحد كألف.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل