آخر الشر المستطير؟
حتى اللحظة الأخيرة غداً، ورغم التفاؤل الدائم لرئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي أُشيع انه يتحدث عن تحصيل حاصل هو اجتياز آلام «المخاض»، سيبقى اللبنانيون أسرى الرعب من انفجار لغم ما، يطيح التسوية العسيرة، وانتخاب رئيس.
بورصة الأمل والقلق تتأرجح، بعد الانتكاسة الغامضة التي أرغمت «العرّاب» الفرنسي على التلويح بفضح المتورطين… فجأة، وسط الاستنفار الإقليمي والدولي «قلقاً» على مصير لبنان المتأرجح بين اللائحة الرئاسية وطموح رجالات الى الإقامة في القصر، ولو لثلث ولاية، انتعشت أرصدة احتمالات الخلاص، ولو برئيس يدير الأزمة، بدلاً من فراغ يدير البلد الى وجهة الكارثة الأخيرة.
وفي وقت الشدة، لم يعد أحد يسعى الى عناء فحص النيات، ولا تقصّي رياح «المؤامرة» الكبرى التي طالما استأثرت بعقول السياسيين، يروّجونها منذ عقود… حتى تلك «النكتة» عن رفض العالم شرقاً وغرباً، التدخل في شؤون اللبنانيين، فقدت نكهتها قبل زمن طويل من دخولهم نفق الشر المستطير.
مَن لم يتدخل؟ لبنان بلد مضياف بامتياز، للأشقاء والأصدقاء، يقولون انهم يسعون الى حماية تنوعه، وبين أهله مَن لا يرى في التنوع سوى حسابات مصالح انتخابية، ولتوسيع نفوذ ينتهي الى «معجزة»: زواج الديموقراطية بالطائفية!
واشنطن ضد تدخل الآخرين في قرار اللبنانيين، ولبعضهم هنا العلة التي تنسف كيان البلد، لأن الأميركي يريد التفرد بالتدخل. باريس ايضاً تحاول منع الأصابع الخارجية من التلاعب بلبنان الذي كان من حصتها، قبل سنين الوجود السوري. دمشق ايضاً تقول برفض التدخل، ومعها طهران المصرة على التعاطف مع اللبنانيين، لتجنيدهم في طابور الممانعة ضد الجشع الأميركي.
بعد انتكاسة الأحد الغامضة التي استفزّت الفرنسي، شيء ما غامض أحيا ومضات التفاؤل، فبات بري واثقاً بانتخاب الرئيس الجديد غداً، وبتوديع الرئيس اميل لحود قبل ان يقدم على ما يمليه ضميره، وقبل ان تتسع شروخ «الوحدة» المسيحية المارونية، بتسلم مجلس الوزراء مهمات الرئاسة.
شيء ما «غامض» في بلد يكره الأسرار، فلا تصمد ساعات، قد يفاجئ جيش الوسطاء، في اللحظة الأخيرة، رغم نيات دمشق وطهران، وضغوط باريس وواشنطن، ووعود موسكو، وتمنيات الجامعة العربية. لكن ذلك لا يلغي مؤشرات التحول الكبير في ما سمي ترتيب أولويات التسويات الإقليمية، الى الحد الذي بدت معه سورية وإيران متنافستين في مرحلة «الاختبارات» الأميركية:
– طهران تعطي في ورقة أمن العراق وتعود متحمسة الى الحوار «العراقي» مع واشنطن، تصعّد ليومين ضد الأصابع الأميركية في لبنان، فيما تبدو مستاءة من قناة الحوار الفرنسية – السورية وكأنها بوغتت في لبنان.
– تحتج ايران على «تطرف» فرنسا في أزمة الملف النووي، في حين يبادر الرئيس نيكولا ساركوزي الى الاتصال بالرئيس بشار الأسد، لتبديد الغامض الذي يعرقل انتخاب الرئيس اللبناني.
– يعترف الجيش الأميركي بدور طهران في تضييق حلقات العنف من حوله في العراق، أي في تسهيل خطة الرئيس جورج بوش هناك، قبل انشغاله بأولويته الثانية، اجتماع انابوليس لتبريد الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، و «تكييف» خريطة الطريق، مع اشارات واعدة لسورية بالعودة الى خريطة الاهتمام الدولي بمصير الجولان.
حتى الآن، قد لا تتجاوز المؤشرات الى الخلاف الصامت بين دمشق وطهران، نطاق الترجيح. لكن الأكيد ان لبنان ورئيسه الذي سيخلف لحود، هما في صلب الاستراتيجية الأميركية – الفرنسية التي تعيد ترتيب الأولويات، استعداداً لمرحلة تسويات لن تكون حتماً مطابقة لمصالح كل طرف في المنطقة.
أليس من المفاجآت ذاك التحول الكبير في مواقف وليد جنبلاط الذي لم يستبعد حتى وقت قصير انتخاب رئيس للبنان بنصاب النصف +1، متحدياً المعارضة التعطيل، فبات مؤيداً لأي تسوية لمصلحة «السلم الأهلي»؟ هو بالتالي أسقط خيار امتناع نواب «اللقاء الديموقراطي» عن التصويت لأي مرشح من خارج قوى 14 آذار.
أما الضمانات لأي طرف لبناني سيسهّل التسوية أي انتخاب الرئيس التوافقي، فمسألة أخرى، لا أحد يمكنه ادعاء القدرة على انتزاعها بعد الانتخاب، خصوصاً اذا تبين ان للرئيس العتيد مهمة وحيدة، هي ترحيل كل الملفات المستعصية (تطبيق القرارات الدولية، سلاح المقاومة) الى نهاية مرحلة انتقالية، تواكب ترتيب الحلول لنزاع الغرب مع ايران، ولـ «تكييف» مطالب سورية والتزاماتها.
في عيد استقلاله اليوم، وبعد كل ما دُفع من أثمان وشهداء لـ14 آذار والمقاومة والجيش، يبدو لبنان اكثر التحاماً بكل أزمات المنطقة، ومصيره اكثر التصاقاً بتجارب الحلول الإقليمية. والمرحلة الانتقالية لن تكون سوى بداية مخاض آخر.