المعارضة اللبنانية وأزمة الضمير
أحمد الجارالله
تدخل الساحة اللبنانية هذه الايام في عنق أزمة تدفع اليها بعض القوى الداخلية المسماة “معارضة” والتي تمثل في حقيقة الأمر مجرد صدى لقرارات واملاءات تصدر عن النظام العلوي في دمشق ونظام الملالي في إيران. وتتجلى هذه الازمة في موضوع الاستحقاق الرئاسي الذي تدفع المعارضة باتجاه منع حصوله وبالتالي الوصول إلى فراغ رئاسي يتيح عودة النفوذ السوري بفعالية ليحكم من جديد الوضع اللبناني برمته وهذا لن يحصل.
والاستحقاق الرئاسي الذي لم يعد يفصل عن ختام موعده الدستوري غير 24 ساعة تقريباً, يشكل نموذجاً من نماذج التدخل والضغط الإيراني والسوري على لبنان من بوابة “المعارضة” التي ارتضت ان تبيع الأمن الوطني الى الخارج وتصبح مرتهنة لإدارة نظامي دمشق وطهران, فماذا حقق عملاء السوريين والايرانيين من هذه التجارة غير الرابحة, لا بل الخاسرة بامتياز, بالنسبة للبنان؟
سنة مضت ووسط بيروت الذي يمثل رئة لبنان وعاصمته لايزال محتلاً بعشرات الخيم التي ألحقت أفدح الضرر بالاقتصاد الوطني وتركت الناس على فوهة بركان العوز, والبلاد أمام تراكم الديون, وشرعت الوطن أمام موجة من الاغتيالات التي لم يسجل التاريخ مثل همجيتها, اما التوقيع فهو معروف بدءاً من اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وانتهاء باغتيال النائب وليد عيدو.
ساعات تفصل عن نهاية المهلة الدستورية للانتخابات الرئاسية, وكذلك عن الذكرى السنوية لاستقلال لبنان وعن الذكرى السنوية لاغتيال النائب بيار الجميل, وهذه المناسبات التي تمثل حوافز ليقظة ضمير لدى الذين رهنوا الوطن للخارج, وتطرح اكثر من سؤال عما جناه “حزب الله” وعملاء سورية الآخرون من بيعة الأمن اللبناني؟
ماذا استفاد هؤلاء من تعطيل وسط بيروت وجعله مرتعاً لمهاتراتهم ومزايداتهم مدة عام كامل؟
ماذا حققت هؤلاء من وراء التغطية ولو غير المباشرة على جرائم الغير بسلاح الداخل بين الوطن الواحد؟ وماذا سيجني لبنان واللبنانيون من الفراغ الرئاسي ومن الشحن الطائفي والمذهبي ومن تفخيخ الأمن بموجة من التسليح والتدريبات العسكرية التي تفضح مساعي البعض لاستحضار الحرب الاهلية من جديد؟
ان على قوى المعارضة ان تعيد حساباتها قبل فوات الاوان, وان تقبل بالشريك الآخر في الوطن على قاعدة الشراكة لا على قاعدة التبعية, وان يقلع هؤلاء عن نغمة تخوين الاخرين, لان تهمة عمالة الاكثرية لاميركا واسرائيل لم تعد تنطلي على احد, ولا تتجاوز كونها “حيلة المهزوم”, فقوى الاكثرية هي التي كتبت بدم شهدائها سجلات الاستقلال والحرية والسيادة.
كما أنه على “حزب الله” ان يدرك أنه بـ”نصره الإلهي” الذي ادعى تحقيقه في صيف العام الماضي شرع لبنان أمام التدويل ونكأ جراح الداخل وآلام الناس التي تستصرخ ما بقي من حس وطني لدى شيخ “حزب الله” وحلفائه ان يجنبوا لبنان المصير القاتم, وان يدركوا ان الوطن كل الوطن, بشيعته الاحرار قبل السنة, وبمسيحييه الابرار قبل الدروز لن يرضوا بأن يؤخذ وطنهم من جديد ليقدم قرباناً على مذبح المصالح السورية والايرانية.
ان احداً من الداخل اللبناني لم يعد يقبل بأن يقوده “حزب الله” وحلفاؤه من المؤتمرين بالاملاءات السورية إلى حافة الهاوية. وكفانا تذرعاً بأن ما تقوم به المعارضة هو لمنع الولايات المتحدة الأميركية من وضع اليد على لبنان. فما تريده اميركا هو ما اعلنه احرار الداخل وتبناه الاشقاء العرب ودول العالم من عدم تحول لبنان الى بؤرة للارهاب الايراني والسوري, أو أن يصبح لبنان معول هدم بيد الايرانيين او السوريين يهدمون به دعائم لبنان والدول العربية الاخرى, ويستخدمون ارهابهم لمنع المحكمة الدولية من استكمال طريقها بحثاً عن الحقيقة الجلية في ملف اغتيال الرئيس الحريري.
بائعو أمن لبنان بثمن بخس ودراهم معدودة عادوا يمسكون بمفاصل الساحة اللبنانية ويهيئون لمؤامرات تطيح الاستقرار, فهل يراجع هؤلاء أنفسهم ويتراجعون قبل فوات الأوان, ويدركون ان “العصر السوري” ذهب إلى غير رجعة, وان اي خطأ غير محسوب سيدفع البلد ثمنه, ولكنهم سيكونون اول الخاسرين, وسيبقى ارتهانهم وصمة عار في جبينهم, حيث لا ينفعهم ملالي طهران وطغاة دمشق.