أبو ملحم
الشراع
عندما بدأ وزير خارجية فرنسا برنار كوشنير تحركه لتحقيق المصالحة بين القوى السياسية في لبنان بدءاً من جمعه ممثلين عن الاكثرية النيابية والاقلية ومؤسسات من المجتمع المدني في سان كلو.. اطلق احد الظرفاء على رئيس الدبلوماسية الفرنسية الجديد لقب أبو ملحم، وهو الشخصية القروية المحببة التي تعتبر ان تقديم النصيحة الطيبة للأشرار يكفي لردعهم عن شرورهم، وكان سر نجاح هذا البرنامج الذي كان ينتظره اللبنانيون عن بكرة أبيهم مساء كل ثلاثاء في الزمن الجميل هو النهاية السعيدة التي تحكم حلقاته فضلاً عن انهـزام الشر وانتصار الخير دائماً.
تعامل كوشنير مع الأزمة في لبنان.. على طريقة أبو ملحم، وذهب ظن المسكين الى انه سيحقق لنفسه ولرئيسه الديغولي القديم الذي اختاره من الحزب الاشتراكي ليكون وجه فرنسا الدبلوماسي الخارجي نصراً حقيقياً يعيد لفرنسا دور الأم الحنون.. ليس للموارنة فحسب بل لكل اللبنانيين خاصة بعد ان نجح الرئيس جاك شيراك في ان يلحق مسلمي لبنان خاصة السنة والدروز وبعض الشيعة بحضانة الأم الرؤوم في باريس.
البعض قال ان كوشنير تأثر بصداقاته اللبنانية المتعددة ومنها من يعجبه اسلوب أبو ملحم، خاصة ان بين هذا البعض من لم يعترك العمل السياسي.. ساعياً لدخوله من بوابة صداقته لكوشنير فورط الرجل من حيث قصد او سها عن باله.
والبعض اعتبر ان عمق الديموقراطية في فرنسا يجعلها طاغية في سلوكيات كل قواها السياسية في السلطة او خارجها، في الاحزاب والجمعيات والإعلام والجامعات وفي كل محافل العمل العام.. وان هذه السلوكيات بريئة لدرجة يمكن معه خداعها بالكلام المعسول الذي سمعه كوشنير في لبنان من الجميع.. وتحديداً من الذين لا يريدون الحلول.
المرات الوحيدة القليلة التي كان فيها كوشنير يصحو الى مكانته وزيراً لخارجية فرنسا الدولة العظيمة ذات التراث الانساني الخالد في اطلاق شعارات الحرية والاخاء والمساواة وترجمتها داخل بلادها وثقافتها التي ترفرف اعلامها في العالمين.. هي عندما كان يخاطب النظام السوري في دمشق عبر مندوبه جان كلود كوسران (رجل الاستخبارات الدبلوماسي) محملاً اياه مسؤولية دهورة الاوضاع في لبنان، حتى وصل الى تحذير علني من كوشنير نفسه من موجة اغتيالات جديدة في لبنان يستعيد فيها نظام بشار الاسد دوره الاجرامي المعهود.
ومع هذا ظلت فرنسا حائرة بين دور أبو ملحم ودور ثورتها الرائدة، فأرسل رئيسها نيكولا ساركوزي مستشاره السياسي وأحد كبار معاونيه الى دمشق في اختبار اخير لرئيسها بشار الأسد الذي لم يعد يجد احداً في الكون يصدقه الا ربما مسؤولي دولة قطر.
انتقل دور أبو ملحم من كوشنير إلى ساركوزي.. وحمل الأخير وعداً جديداً من بشار إلى جورج بوش، وعاد موعوداً بدعم غير محدود من البيت الأبيض لنواياه البوملحمية.
وبدأ كوشنير جولة جديدة من المصالحات الفردية.. ضغط على البطريرك صفير وانتـزع منه لائحة أسماء أرسلت إلى الرئيس نبيه بري وزعيم الأغلبية سعد الحريري وعنوانها الرئيسي التوافق.
انتظر أبو ملحم الدخان الأبيض من لقاء المبادرتين (صفير – بري) فماذا كانت النتيجة؟
إطلاق نار بالصواريخ من أمين عام ميليشيا حزب الله حسن نصرالله. لم يفهم كوشنير مصدر الإطلاق فعاد إلى بيروت في جولة على الذين أطلقت عليهم النيران أي البطريرك صفير – نبيه بري وسعد الحريري فوجدهم جميعاً جرحى.
استفاق كوشنير وهدد بالويل والثبور وعظائم الأمور.. نخشى ما نخشاه أن يحمِّل الجرحى مسؤولية إطلاق النار وأن يدير وجهه عن مصدره وعن الذي أوحى به وعن الذي أمر به.
قبل أن يزور برنارد كوشنير طهران منذ عدة أشهر تحدث عن حتمية الحرب مع إيران.. وما لبث ان لحس كلامه خلال أقل من 24 ساعة.. فهل يسارع كوشنير إلى لحس تهديده بكشف معرقلي الاتفاق الذي شجعه الجميع عليه فإذا بسمعة فرنسا الدولة على المحك.. أم يذهب إلى رئيسه ساركوزي ليقول له: سيدي الرئيس ان أبا ملحم في لبنان مات من زمان.. والحقيقة الوحيدة فيه الآن ان بشار الأسد هو أسعد الناس بالتخلص منه.