نهاية عهد لحود…. بالفراغ
لبنان من دون رئيس للجمهورية…..لبنان في الفراغ… لبنان في المجهول….لبنان في الخطر والقلق والخوف والانتظار…..ولكن لبنان اليوم من دون عهد لحود …لبنان انتهى من عهد لحود المشؤوم ، …الا ان لحود انهى العهد بقرار غير دستوري غير مستقيم قانونيا وغير ذي قيمة…. منتصف ليل امس انتهى عهد الرئيس الممددة ولايته بعد تسع سنين كاملة، لكن “الراحل” سلم قصر بعبدا الى الحرس الجمهوري وليس الى رئيس منتخب جديد، فصارت الجمهورية بلا رئيس للمرة الثانية في تاريخ لبنان “المستقل”.
صحيفة المستقبل كتبت طوى لبنان، بدون أسف، العهد الأكثر قتامة وسوداوية ودموية في تاريخه، وأزاح الكابوس المسمى اميل لحود الذي جثم على صدر لبنان واللبنانيين سنوات طويلة بفعل قهر الوصاية وإرهابها، والذي “لم يرد شيئاً لنفسه” بل كل شيء ولو مصبوغاً بدم الأحرار. وهو أبى إلا أن ينغّص على الشعب اللبناني فرحة الاحتفال بمغادرته قصر بعبدا فلجأ، متذرعاً بالدستور وبغير صفة، الى إصدار بيان يعلن فيه “تحقق أخطار حال الطوارئ”، ويكلف الجيش حفظ الأمن في البلاد.
اليوم مشهد آخر بلا اميل لحود، آخر معالم الوصاية السورية على لبنان، الذي تميّز عهده المشؤوم بقيام النظام الأمني المخابراتي والاغتيالات السياسية والفساد وخرق الدستور وتعطيل المؤسسات وعرقلة المشاريع التنموية والاقتصادية ودعم دويلات أحزاب على حساب الدولة وسيادتها.
ولبنان وان لم ينتخب أمس، في نهاية المهلة الدستورية رئيساً جديداً، بدا ماضياً بعزم الأكثرية النيابية لصياغة تفاهم لانتخاب رئيس جديد يُفتتح معه عهد جديد يحفظ استقلال البلاد ويعيد للمؤسسات دورها ويطلق آليات المشاركة الوطنية ومسيرة بناء الدولة، وما طمأن اللبنانيين أكثر أن ثمة حكومة شرعية دستورية آلت اليها، بحسب الدستور، مقاليد السلطة لادارة شؤون البلاد الى حين انتخاب الرئيس الجديد، وسط تصميم أكيد من جانب قوى 14 آذار، عكسته المواقف والتحركات، على الحؤول دون أن يطول الشغور في رئاسة الدولة أو أن يطال التهميش الموقع المسيحي الأول، بدستوريته ورمزيته.
لا حكومتان وضمانات
ودخل لبنان مرحلة لعلها الأخطر فعلا منذ اتفاق الطائف وسط انقسام عميق وواسع لم تأت معه حكومتان على غرار ما حصل عام 1988 حين انتهى عهد الرئيس أمين الجميل من دون انتخاب خلف له وقيام حكومتي العماد ميشال عون والرئيس سليم الحص. لكن الاخفاق في التوصل الى انتخاب رئيس جديد ضمن المهلة الدستورية للاستحقاق تحوّل خوفا من فترة انتقالية قد لا تكون قصيرة وسريعة ما لم تتبدل المعطيات التي حالت دون الانتخاب.
وعلى قتامة هذا التطور وخطورته وما خلفه من انعكاسات جسدتها مخاوف اللبنانيين وشلل الحياة العامة أمس، فان عوامل أخرى يمكن ان تندرج في اطار الضمانات المطمئنة وسمت الجانب الآخر من مشهد الفراغ الرئاسي، وتتمثل هذه الضمانات في الآتي:
أولا: مرّ “اليوم المشهود” لحسم مصير الرئاسة بسلام على نحو تبددت معه المخاوف من احداث أمنية بفعل التدابير التي اتخذها الجيش، سواء أكانت تدابير ظاهرة أم سرية، وبدا معه الجيش الضامن الرئيسي للأمن والاستقرار وعامل الثقة الاساسي لاستمرار الحياة الطبيعية بعيدا من كل عوامل التوظيف السياسي والتهويل والتخويف.
ثانيا: اجماع الافرقاء السياسيين على استمرار الاتصالات والمشاورات والتمسك بالتوافق ضمن مبادرتي الرئيس نبيه بري والبطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير والوساطة الفرنسية للتوصل في أسرع وقت الى انتخاب رئيس جديد على أمل ان يكون الموعد الجديد للجلسة النيابية في 30 من الجاري افضل حظا من المواعيد الاربعة السابقة ضمن المهلة الدستورية. وجاءت زيارة رئيس “كتلة المستقبل” النائب سعد الحريري لبكركي فور انتهاء جلسة البارحة لتصب في اطار تثبيت هذا الاتجاه.
ثالثا: حرصت قوى 14 آذار على اثبات موقفها المبدئي من عقد جلسة الانتخاب امس ولم تستعمل “حقها الدستوري” في الانتخاب بالنصف زائد واحد، كما تجنبت الانسياق الى سجالات من خارج الدستور مع مبادرة العماد ميشال عون وتركت باب التوافق مفتوحا. وفي المقابل حضر نواب المعارضة بكثافة الى المجلس، وإن يكونوا قاطعوا الجلسة “احتفاظا بحقهم الدستوري”. وشكل حضورهم تطورا ايجابيا، اذ وفر الفرصة لجو ودي بين المعارضين والموالين واصدار تأكيدات مطمئنة للمواطنين بالحفاظ على السلم الاهلي والدستور واتفاق الطائف، على رغم بعض “المناكفات” الجانبية بين اطراف في كلا الفريقين.
وشكل تصريح رئيس “اللقاء الديموقراطي” النائب وليد جنبلاط بعد تأجيل الجلسة وعقب الخلوات التي عقدت في مكتب الرئيس بري، مؤشرا مهما لطبيعة الاتجاهات التي ستسلكها المرحلة المقبلة، اذ شدد على شعار “التوافق وفق الأسس الدستورية والتمسك بالتوافق وعدم الخروج عليه”. كذلك اعلن الحريري بدوره “اننا مع التوافق ونريد ان ننتخب رئيس الجمهورية لمدة ست سنوات وليس لكل واحد ان يفسر الدستور كما يريد”.
في ضوء هذه المعطيات برزت المعادلة الجديدة التي ستحكم المرحلة الانتقالية التي بدأت بعد منتصف الليل على أساس امتناع الغالبية عن الانتخاب بالنصف زائد واحد في مقابل عدم الاقدام على خطوة تأليف حكومة ثانية، وهما الامران اللذان تحققا امس. اما في المرحلة التالية، فان المشاورات ستتواصل وسط تسليم باستمرار الحكومة في تصريف الاعمال ضمن الاطار الضروري اللازم لاستمرار الحياة العامة، والتعجيل في المساعي لجعل المرحلة الانتقالية قصيرة ما أمكن.
أما على المستوى الامني، فتؤكد المعلومات المتوافرة ان هناك قرارا ثابتا لدى جميع الاطراف بالحفاظ على الاستقرار وتجنب أي خضات، فيما يمسك الجيش بالارض بموجب قرار سياسي سابق متخذ في مجلس الوزراء وقرار عسكري يتمثل في خطة تنفذها قيادة الجيش وفق المقتضيات التي تراها ضرورية، فضلا عن تأييد مختلف القوى السياسية لهذين القرارين.
لا حال طوارئ
وتبعا لذلك، أكدت اوساط مطلعة ليل أمس ان البيان الذي صدر عن رئاسة الجمهورية قبل أربع ساعات من انتهاء ولاية الرئيس لحود مساء امس أثار التباسا واسعا لدى الرأي العام إذ فهم منه ان لحود كلف الجيش اعلان حال الطوارىء في البلاد. لكن البيان نفسه لم يتضمن ذلك وإن يكن لحود تعمد توسيع اطار التكليف للجيش الى حد اعلان حال الطوارىء منطلقا من اعتبار نفسه المرجع الصالح لهذا التكليف. ولذلك أعلن “توافر اخطار حال الطوارىء وتحققها في جميع اراضي الجمهورية اللبنانية اعتبارا من تاريخ 24 تشرين الثاني 2007 وتكليف الجيش صلاحية حفظ الأمن في جميع الاراضي اللبنانية ووضع جميع القوى المسلحة تحت تصرفه وعرض التدابير التي يفرضها الجيش على مجلس الوزراء فور تشكيل حكومة تتوافر فيها الشرعية الميثاقية والدستورية”.
ووصفت أوساط في الغالبية خطوة لحود بأنها “تحريض للجيش على انقلاب عسكري والامساك بالسلطة السياسية ايضا تحت ستار تحقق اخطار حال الطوارىء”. وقالت ان هذه الخطوة تفتقر تماما الى أي ارضية دستورية بل هي مخالفة للدستور اذ ان اعلان حال الطوارىء بموجب المادة 65 من الدستور يستوجب قرارا من مجلس الوزراء بغالبية الثلثين، وهو من صلاحية مجلس الوزراء وحده. واعتبرت ان الخطوة الاخيرة للحود جاءت بمثابة ضربة سيف في المياه، خصوصاً ان الجيش بدأ تنفيذ تدابيره منذ فترة.
رد الحكومة
وأصدر المكتب الاعلامي في رئاسة مجلس الوزراء بياناً رداً على بيان لحود جاء فيه:
“إن ما صدر عن رئيس الجمهورية باعتباره ظروف حال الطوارئ محققة لا ينطبق على واقع الحال، ناهيك بأنه لا يستند الى أي أحكام دستورية او قانونية تبرره. فالفقرة الخامسة من المادة 65 من الدستور ناطت صراحة بمجلس الوزراء صلاحية إعلان حال الطوارئ.
“إن ما صدر عن رئيس الجمهورية باعتباره ظروف حال الطوارئ محققة لا ينطبق على واقع الحال، ناهيك بأنه لا يستند الى أي أحكام دستورية او قانونية تبرره. فالفقرة الخامسة من المادة 65 من الدستور ناطت صراحة بمجلس الوزراء صلاحية إعلان حال الطوارئ.
كما ان المرسوم الاشتراعي رقم 52 الصادر بتاريخ 5 آب عام 1967 والمتعلق باعلان حال الطوارئ او المنطقة العسكرية والذي استند اليه رئيس الجمهورية في إعلانه نص في المادة الثانية منه على ما يأتي: “تعلن حال الطوارئ او المنطقة العسكرية بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء على ان يجتمع مجلس النواب للنظر في هذا التدبير في مهلة ثمانية أيام وإن لم يكن في دور الانعقاد”.
وعليه، فإن اعلان رئيس الجمهورية يفتقر الى السند الدستوري والقانوني، هذا فضلاً عن ان حال الطوارئ وفقاً للمادة الأولى من المرسوم الاشتراعي رقم 52/67 تعلن عند تعرض البلاد لخطر داهم يحدده مرسوم إعلان الطوارئ.
ان الوقائع والظروف المبنية التي افترضها رئيس الجمهورية، وبصرف النظر عن عدم صلاحيته، غير متوافرة وغير محققة وهو بالتالي يهدف الى ايهام المواطنين بأن البلاد كلها واقعة تحت خطر شديد في حين ان الأمن مستتب لكون الجيش يحافظ على أمن البلاد وسلامة المواطنين بمسؤولية وطنية وجدارة عالية وليس من حاجة للتذكير بأن الحكومة التي هي حكومة شرعية ودستورية والتي كانت تتمنى ان يتم انتخاب رئيس جديد للجمهورية في الموعد الدستوري لتسليم الأمانة، بحسب ما ينص الدستور، لا تزال مستمرة في تحمل مسؤولياتها وتمارس صلاحياتها كاملة”.
بري
وسألت “النهار” مساء الرئيس بري عن خطوة لحود، فأجاب: “لا تعليق لدي سوى ان كل هذا الذي يحصل يجب ان يحملنا على الاسراع في انتخاب رئيس للجمهورية يكون رمزاً للوحدة الوطنية وتوافق اللبنانيين واعادة منعة لبنان”.
السبع
وأصدر وزير الداخلية حسن السبع بياناً في الأولى فجر اليوم جاء فيه: “بعد صدور بيان رئيس الجمهورية السابق اميل لحود والذي تحدث فيه عن توافر وتحقق أخطار حال الطوارئ، سرت بعض الشائعات ان سريان حال الطوارئ في البلاد يبدأ منتصف ليل 23 – 24 من الجاري.
لذلك، يهم وزير الداخلية والبلديات حسن السبع ان يؤكد للرأي العام اللبناني ان ما تم تداوله حول هذا الموضوع لا أساس له من الصحة. كما يهمه ان يطمئن المواطنين الى ان الوضع الامني في لبنان لا يدعو الى القلق وهو ليس مثلما صوره البيان المذكور، داعياً المواطنين الى ممارسة اعمالهم وحياتهم اليومية بشكل عادي.
وتجدر الاشارة الى ان الجيش اللبناني، وبالتعاون الوثيق مع قوى الأمن الداخلي وبالتنسيق مع الاجهزة الامنية الاخرى، تقوم بواجبها الوطني لحماية أمن المواطنين والمؤسسات الرسمية وممتلكاتهم وتعمل على ضبط الأمن بناء على الصلاحيات التي حددها القانون ومجلس الوزراء وهو ما تجلى في أكثر من محطة منذ فترة طويلة”.
رايس وجنبلاط
وعلمت “النهار” ان النائب جنبلاط تلقى ليل أمس اتصالاً من وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس اكدت فيه استمرار بلادها في دعم لبنان. وقد ابلغ اليها جنبلاط استمرار المساعي الرامية الى تحقيق توافق على رئيس جديد للدولة ضمن مبادرة بكركي ومظلتها. وشدد على الحرص على الوحدة الداخلية والسلم الأهلي والعمل لانتخاب رئيس في اسرع وقت. وطلب الاستمرار في الدعم الاميركي للمؤسسات اللبنانية والجيش اللبناني وتسليحه.
ولفت في ردود الفعل على خطوة لحود وصف الرئيس نجيب ميقاتي اياها بانها “بمثابة تأكيد المؤكد باعتبار ان الجيش يتولى منذ فترة طويلة مهمات الأمن فعلاً”. وأشاد ميقاتي بالجيش وبـ”حكمة قائده العماد ميشال سليمان”، وقال ان “الحكومة الحالية دستورية طبعاً لكنها غير ميثاقية (…) ولكن اذا سلمنا بأن هذا الامر سيئ فالخيارات البديلة أسوأ بكثير وتالياً فلنلتزم الدستور وأحكامه، والجيش في رأيي سيتعامل مع الواقع الجديد وسيتعاون مع الحكومة في تنفيذ حفظ الامن والنظام”.
نهاية العهد
وقرابة الثانية عشرة الا عشر دقائق ليل امس، غادر الرئيس لحود قصر بعبدا، واقيمت له مراسم وداع رسمية شاركت فيها ثلة من الحرس الجمهوري ادت له التحية العسكرية وعزفت النشيد الوطني اللبناني قبل ان يعرضها.
وقبل ركوبه سيارته لمغادرة باحة القصر الى منزله قال لحود: “يجب ان يأتي بعدي رئيس توافقي قوي بكل معنى الكلمة”، معتبراً ان عدم حصول ذلك في أسرع وقت “سيكون ثمنه غالياً على لبنان”. وهاجم الحكومة معتبراً انها “لا ميثاقية ولا دستورية مهما قالت الولايات المتحدة وفرنسا وكل دول العالم”.