نهاية لحود.. وعون؟
الفرد النوار
أعادت مبادرة رئيس التيار الوطني ميشال عون الى الاذهان مبادرة رئيس مجلس النواب نبيه برّي، وقبلها دعوة الأخير الى جلسات التشاور بشروط، الأمر الذي يؤكد عدم وجود رغبة بتخطّي الأزمة، بقدر ما توحي تصرّفات المعارضة ان «دمار البلد غاية في حدّ ذاتها».
والذين عتبوا على «نزوة عون» تناسوا مَن هو وكيف يتصرّف والى اين يمكن ان يصل به شبقه الرئاسي. اما الذين عتبوا على مُجاراة حزب الله الحليف في تصرّفاته السياسية، فلم يجدوا حرجاً في القول «ان عون حقق للحزب في فترة زمنية لا تتجاوز السنتين ما لم يكن يتوقّع الوصول اليه، لجهة تفتيت المؤسسات بالمعنى الذي يسمح له بالقول «ان مشروعه يبقى أسلم عاقبة من كل ما عداه»؟.
والذين كانوا يعولون على إنجاز مشروع وضع اليد على الدولة في حدود العام 2020، جرّاء تفريغ البلد من قدراته الاقتصادية والثقافية والعلمية والمؤسساتية، عادوا وغيّروا توقّعاتهم بالنسبة إلى نجاح مشروع «الحزب الواحد» في موعد لن يتعدّى العام 2014 في ابعد الحدود، طالما ان التوتّر يُعزّز عوامل الهجرة، حيث ينتظر ان ينخفض عدد المسيحيين في لبنان الى اقل من 700 الف (…).
واذا صدقت هذه الأرقام، فإن التوقّعات تؤكد ان معدّل «الانتاجية الشيعية بالتحديد» ستصل الى ما نسبته 52 في المئة من تعداد سكان لبنان، الأمر الذي يعكس طبيعة مفهوم السلطة من دون السعي اليها. اي ان تأثير الناخب الشيعي، خصوصاً هو مَن سيُحدّد مَن يفوز في الانتخابات الرئاسية وفي تحديد مَن يتولى رئاسة مجلس الوزراء، من دون حاجة الى النظر الى نسبة المعادلة السياسية كأرقام وليس كأشخاص!
ويُقال عن دراسة بالغة الاهمية في خصوص متغيّرات اليوم السياسية والديموغرافية، انها مقدّمة بسيطة لما قد يحصل في المستقبل المنظور على نطاق اوسع، حيث يُسهم أكثر من طرف مسيحي في لعبة تسريع انهيار المؤسسات والقواعد والأعراف في البلد، وهذا معروف من الجميع، وقد يكون تصرّف النائب ميشال عون دفعة على حساب جرّ المسيحيين الى التسليم بزعامته، وهو ما يدفع حزب الله الى تجيير قدراته دعماً لكل ما يصدر عنه عن حقّ او عن باطل!
وبعد التأجيل المتكرر لجلسة انتخاب رئيس جديد للجمهورية، أصبح الاتّكال على ضمير الرئيس المودع اميل لحود شبيه بالاتكال على الفروسية المفتعلة للنائب عون، لا سيما ان الاخير قد ادرك اخيراً استحالة وصوله الى الرئاسة مهما اخترع من وسائل تفجيرية وتعجيزية، خصوصاً انه عندما طرح مبادرته الاخيرة رهنها بأن تقبل به الاكثرية رئيساً او ان يُعطي البلد دفعاً جديداً باتجاه الانهيار السياسي ومستتبعاته.
ويرى متتبّعو الهوس العوني ان صاحبه بات يشعر انه كل شيء او لا شيء. لذا، لا يرى حرجاً في طرح ماهية الرئيس الذي يريده وماهية رئيس الحكومة والتشكيلة الوزارية، في تصرّف لا سابق له في لبنان وفي اية دولة ديموقراطية في العالم، فيما يقف حلفاؤه متفرّجين على «نزعته الانقلابية» ولا يتوانون عن التصفيق له على اساس ان جنونه بلغ الذروة ومن الضرورة الافادة من كل سقطاته وهفواته وهذيانه!
اما اولئك الذين يعولون على تصرّف ارعن، من جانب مَن سبق له ان اقتلع عون من قصر بعبدا وأنهى اغتصابه السلطة، فإنهم لمسوا تصرفاً اكثر رعونة «ليكتمل النقل بالزعرور»، ربما لأن الرئيس لحود لم يعد يخسر شيئاً، او لأن المطلوب منه سداد فاتورة سياسية اخيرة لمن وضعه في مكان لم يكن مهيّأ له.
من مفارقة هذه المرحلة ان لحود قد ودّع الرئاسة من دون ان يترك بصمة ايجابية واحدة على مدى تسع سنين، بقدر ما خلف في البلد من مناوشات وصراعات وأسئلة سياسية وأمنية لا تزال مرشّحة، لأن تصل به.. بل تُطارده الى آخر لحظة من عمره؟
اما المفارقة الأخرى التي كان لحود يدّعيها لنفسه وأورثها لمدّع آخر، فهي رئاسة جمهورية ضاعت من سجلّ الاول وظلّت بعيدة عن رقبة الثاني، إن لم نقل طويلة على رقبته، لتصل الى مسؤولية مجلس الوزراء مجتمعاً، على رغم كل التهديد والوعيد، ليس لأن عون لا يريدها، بل لأن ضياعها على حليف حزب الله لا بُدّ وأن يطرح علامات استفهام حيال المرحلة التي قد تلي عقدة الرئاسة اليوم عندما يتكرّر مشهد الثلثين كحاجة دستورية، حيث سيبلغ التكاذب السياسي آنذاك ذروته (…)
وفي يومنا الحاضر سيكون الاتّكال على رئاسة جمهورية بحجم مشروع حزب الله وبمستوى طموحات ميشال عون، من نوع المباشرة بإدارة فراغ مُنظّم والوصول به الى موجبات إلغاء الرئاسة حتى ولو كان إصرار لدى البعض على ان «الارض تهتزّ، لكنها لن تقع». فيما يؤكد الواقع ان الخيار الأخير عبر الأكثرية والانتخاب بالنصف زائداً واحداً هما غاية الغايات بالنسبة الى مشروع حزب الله ونظرة ميشال عون قبل المشروع المنهار سلفاً؟!