#adsense

خطف الطائفة (ساطع نور الدين)

حجم الخط

خطف الطائفة (ساطع نور الدين)

 

مثلما كان دخول الجنرال ميشال عون الى السياسة في أواخر الثمانينيات مدمراً، سيكون خروجه منها مدوياً. والثمن الذي ستدفعه الطائفة المارونية سيكون مضاعفا، بالمقارنة مع الثمن الذي دفعته في حرب الإلغاء ثم في اتفاق الطائف، وقد يكون بمثابة الضربة القاضية للموارنة ودورهم في لبنان.

 

لم تكن مبادرة الجنرال عون “الإنقاذية” من أزمة رئاسة الجمهورية، خروجا فعليا من السياسة، لكنها كانت الخطوة الأولى في هذا الاتجاه. أعفى نفسه طوعا من الرئاسة، لكنه لم يعف عن الجمهورية. وفي الطريق داس على البطريرك الماروني نصر الله صفير ولائحة مرشحيه للرئاسة التي كانت تختصر شهورا من الاتصالات والمشاورات والمبادرات المحلية والعربية والدولية، ونصب نفسه ملكاً على الطائفة القلقة على مصيرها، يحدد وحده جدول أعمالها وقائمة مرشحيها لمختلف المناصب العامة.. ويفترض أنه بذلك يعيد مجدا سابقا أعطي لها ولم تصنه طوال السنوات الـ64 على الاستقلال.


من وجهة نظره، كانت المبادرة تضحية شخصية كبرى يتخلى بموجبها عن الرئاسة التي كان وربما لا يزال حتى اللحظة يثق بأن الطائفة منحته إياها بغير منازع، ويؤمن بأن غالبية السبعين بالمئة من اللبنانيين التي حصل عليها في استطلاعات الرأي الاولى عقب عودته من المنفى، يمكن أن تدوم الى الأبد، متجاهلا أنها تعرضت بالفعل لامتحان عسير في معركة انتخابات المتن النيابية الأخيرة، التي أثارت شكوكا جدية حول غالبيته المارونية، فضلا عن غالبيته المسيحية، والشيعية ايضا التي اقتصرت في الفترة الأخيرة على الجمهور من دون القيادات السياسية والحزبية!

 

مع ذلك، فإن تضحية الجنرال بنفسه، هي إنجاز تاريخي، برغم أنها محكومة بمهلة زمنية خاطفة، دامت 26 ساعة ونصف الساعة بدءا من لحظة إعلانها على محطة المنار التلفزيونية عند السابعة والنصف من مساء الخميس، وانتهت عند العاشرة من ليل امس الجمعة.. والقياس هنا لا ينحصر في عدد الأيام والأسابيع التي أمضاها عون كمرشح للرئاسة، بل يعود الى الخطوة المتعثرة الأولى التي خطاها نحو قصر بعبدا قبل نحو عشرين عاما، والتي لا تزال محفورة بذاكرته وظلت تشكل منارة لحركته السياسية كلها.

 

ولعل الجنرال كان الرجل الوحيد في الجمهورية الذي ترقب حلول الساعة العاشرة من مساء امس، لكي يعلن انتهاء مبادرته أو سحبها من التداول. كان كل من عداه يحصي الأضرار السياسية والمعنوية الفادحة التي لحقت ببكركي، ويترقب الخطوة التالية التي ستقدم عليها الطائفة ورموزها من أجل حماية موقعها الرئاسي من غدر الطوائف الاخرى التي ربما خطر في بالها بالامس الموافقة على تقصير ولاية رئيس الجمهورية الى 18 شهرا، أو حتى ربطها بكل انتخابات نيابية يخضع لها اللبنانيون!

 

بادر الجنرال امس الى خطف طائفته، مقتدياً بآلاخرين جميعا الذين يخطفون طوائفهم ويجرونها من كارثة الى اخرى. حصانة الموارنة التي سقطت في أكثر من تجربة سابقة، تواجه اليوم اختبارها الأسوأ وربما الأخير!

 

* نقلا عن صحيفة “السفير” اللبنانية

 

المصدر:
السفير

خبر عاجل