خاطفون ورهينة
الياس حرفوش
الياس حرفوش
تستطيع أن تأخذ شخصاً كرهينة لأن قدره العاثر دفعه الى طريقك. كما يمكنك أن تحتجز بلداً بكامله، لأن ظروفه التعيسة وضعت مصيره بين يديك. في كل الحالات تتشابه قوانين الخطف واحتجاز الرهائن، سواء أكانوا اشخاصاً أم بلداناً. الشرط الأساسي أن يكون رهينتك ضعيفاً من دون حيلة وأن تكون قدرتك على المساومة وقبض الثمن مقابل اطلاقه من أسره غير قابلة للتراجع او للمهادنة.
لبنان هو حالياً بين الدول التي يمكن وصفها بالرهينة. قَدَره أن ضعفه السياسي وتفككه الداخلي حوّلاه الى ضحية نموذجية، يمكن الاستفراد به والمساومة على مصيره والقضاء على الاصول السياسية والدستورية التي ترعى أموره. ولا يحتاج الخاطف في سبيل ذلك سوى الى الخروج على قواعد السلوك السياسي المتعارف عليها وإلى اللجوء الى قدراته المسلحة في سبيل «اقناع» المترددين والمشككين بقدرته على التعطيل والإجهاز على المؤسسات، الى أن يسير الحل السياسي على السكة التي يريدها.
بماذا غير ذلك يمكن وصف حال الشلل المتعمدة المفروضة على المؤسسات اللبنانية الرئيسية، وخصوصاً منها الحكومة والمجلس النيابي، وهو الشلل الذي أدى الى الفراغ الحالي في المقعد الاول في الدولة وإلى الخلاف الحاد حول شرعية حكومة فؤاد السنيورة وصلاحياتها؟ وبماذا غير فرض شروط الاستسلام على هذا الرهينة المسكين يمكن وصف المطالب التعجيزية المعروضة لإخراجه من مأزقه؟
لقد تميزت المرحلة التي امتدت على مدى العام الماضي بنيّة معلنة في خطف العمل السياسي ونقله من مجال الممارسة حسب الاصول المتعارف عليها في الانظمة الديموقراطية الى ضرب هذه الاصول والاجهاز عليها، واللجوء الى وسائل اخرى من العمل «البرلماني»، تقوم على الاستنكاف عن الممارسة والمطالبة العلنية بحق «التعطيل». وكل ذلك تحت شعار نظيف يدعو الى احترام اصول المشاركة وضرورة الالتزام بالنصاب، فيما القائمون على التعطيل هم الذين ينسحبون من المؤسسات ويحولون دون المشاركة ويعطلون النصاب، نتيجة امتناعهم عن حضور الجلسات لانتخاب رئيس جديد للبلاد، وذلك على رغم القواعد الدستورية التي تفرض عليهم هذا الحضور.
الضابط الوحيد الذي «ينظم» عملية خطف الرهائن واحتجازهم والمساومة عليهم هو ضابط اخلاقي. الى أي حد يسير الخاطف في تهديده بالقتل اذا لم يقبض الثمن الذي يريده مقابل اطلاق رهينته؟ وهل تفرض عليه هذه الاخلاق التراجع اذا كانت نتيجة فعلته هي الموت المحتم لضحيته؟ هذه الاخلاق هي في حقيقة الأمر ما يراهن عليه كثيرون الآن اذا كان هناك أمل في افلات المؤسسات المخطوفة والمشلولة من حالتها الراهنة واستعادتها اصول العمل الديموقراطي السليم. اخلاق الخاطف وقدرته على التراجع أو المساومة قبل الاجهاز الكامل على الضحية.
في زمن سابق حصل شيء من هذا. كانت تجربة الخطف لا تزال «بدائية». لكن «المدرسة» التي كان يتخرج فيها الخاطفون لا تزال ابوابها مفتوحة والكفاءات تترك صفوفها حاملة شهادات تنبئ بمستقبل بارز. في ذلك الزمن كان اجانب يمرون بالبلد، منهم من كان يمر على سبيل الصداقة وحب الربوع، ومنهم من كان متعاطفاً مع قضايا وطنية. على رغم ذلك لم تشفع لهم هذه العواطف، فانتهوا رهائن، وغابوا في الأقبية سنوات قبل ان يصل الثمن الذي كان مطلوباً للافراج عنهم والذي كان يؤدي عادة الى مبادرة «انسانية» تطلق سراحهم في مكتب رسمي، للتأكيد على أن الوساطة نجحت والثمن وصل! المحظوظون وحدهم من بين الرهائن كانت هذه نهايتهم. غير أن آخرين ماتوا في الاقبية قبل أن تنجح الوساطة ويصل الثمن.
شيء من هذا نشهده الآن، انما على مستوى أكثر تقدماً ومهنية، ومغلفاً بعبارات الحرص على الوطنية والرغبة الحارة في مواجهة المشاريع الامبريالية. الا أن الغرض من وراء الخطف لا يزال هو ذاته. لا افراج عن الوطن ومؤسساته ولا عودة به الى سلوك سياسي سوي قبل وصول الثمن الى العواصم المعروفة… وبيروت ليست في كل حال واحدة منها.