#dfp #adsense

… من الباب الصغير

حجم الخط

… من الباب الصغير

علي حماده

    

في التاريخ رجال يخرجون من الباب العريض، يصعدون ادراج معبد التاريخ  ليجلسوا في مقاعد الكبار. وثمة آخرون يخرجون تحت جنح الظلام  من الباب الصغير، لينزلقوا في جحور معتمة يختبئون فيها من نظرات الناس ومن حكم التاريخ!
 هذه الصورة، او ما يشابهها،  فرضت نفسها منتصف ليل 23-24 تشرين الثاني، بانتهاء ولاية الرئيس السابق اميل لحود الممددة بدماء الاحرار والاستقلاليين، وبالقهر والآلام التي وزعها العهد الاسود على اللبنانيين على مدى تسع سنين، ولم يبخل عليهم  بقيادتهم مباشرة نحو جمهورية الفراغ، والكيان المعلق، والحرب الكامنة!


ولكن مع انسدال ستارة ذلك العهد الاسود، استمرت المشكلة كاملة: فقد استقر الفراغ في سدة الرئاسة مهددا الكيان نفسه، وبقيت البلاد معلقة بين فكي الكماشة السورية والايرانية. كما بقيت عقدة الخطر الاساس الذي يمثله مشروع فئوي ضخم على الكيان اللبناني، أكثر رسوخا من أي وقت مضى.


فالفراغ في الرئاسة هو انعكاس امين للواقع الحالي في لبنان: كيان معلق في انتظار “البازار الكبير” الاقليمي – الدولي الذي ترتسم معالمه في الافق، مع ما يستتبع ذلك من احتمالات حدوث انزلاق خطر نحو نزاع اقليمي سيترجم الى نزاع على ارض لبنان، وبلحم اللبنانيين. ولعل الحديث عن مسؤولية اقليمية – دولية في رسوخ هذا الواقع، لا يلغي قطعا الاشارة الى المسوؤلية الكبرى التي يتحملها اللبنانيون انفسهم في بلوغ وطنهم هذا المبلغ من الانحدار والتشتت.
بالامس، وفي مناسبة اجتماعية، سألتني سيدة مسيحية متحزبة  لزعيم “كاريزمي” عن مدى مسؤولية اللبنانيين جميعا في غلبة التدخلات الاجنبية على القرار الوطني المستقل، وذهبت لتقول لي: “لا سوريا ولا ايران ولا اميركا ولا اوروبا. وحده لبنان يجب ان يكون مصدر القرار هنا”. فلم اجد للرد على هذه الفكرة النقيّة سوى تذكيرها بأن استدعاء التدخل الخارجي  من جهة  يدفع الجهة  الاخرى الى استدعاء تدخل مقابل. ورسمت لها صورة البيت الواحد الذي يتقاتل فيه شقيقان، وفي لحظة معينة يقوم احد الاخوين  بطلب معونة احد الجيران، فيتدخل الاخير في النزاع. وفي المقابل يلجأ الثاني الى طلب مساعدة جار آخر لاستعادة توازنه. وهكذا يصير الخلاف نزاعاً يتداخل فيه المحلي والخارجي على حد سواء!


هذا هو لبنان، وهذه هي مسؤولية اللبنانيين الحصرية التي لا يشاركهم فيها احد من الخارج مهما تعاظمت نياته التهريبية على غرار النظام في سوريا. فلو لم يكن لهذا النظام موطئ قدم في لبنان، ما كان ليكون بهذه الفاعلية السلبية في لبنان.ولو لم تكن للمشروع الامبراطوري الايراني “سواعد” لبنانية يستخدمها في توسيع مداه الحيوي والاستراتيجي، لما كنا لنخشى هبوب الرياح الدولية على ايران التي تنذر بتحويل لبنان ساحة حرب ايرانية – اسرائيلية للمرة الثانية بعد حرب تموز 2006.


ان خطاب “حزب ولاية الفقيه” يعيب على الاستقلاليين دعم المجتمع الدولي والمنظمات الدولية، فضلا عن الشرعية العربية، معتبرا ان الخيار الاستقلالي هو مجرد انعكاس لمشروع أجنبي معادٍ. ولكن هل سأل لبنانيو الحزب أنفسهم مرة واحدة عن حجم الضرر الذي يولّده التشبث بسلاح خاص تعود امرته الى الخارج على وحدة النسيج الوطني؟ وهل تساءل لبنانيو الحزب ايضا عن حجم الخوف الذي يثيره امتلاك جهة سلاحا، مهما قيل في وطنيته ومشروعيته، يظل سلاحا فئويا سيستخدم في الداخل عاجلا ام آجلا؟


ان انقاذ الكيان يعتمد على اللبنانيين اولا واخيراً. ومسؤولية “حزب ولاية الفقيه” مركزية قبل ان يتحول الموقت دائماً. وقبل ان يتداعى الوطن نهائيا فيخرج لبنان الكيان من الباب الصغير على صورة الذي خرج ليل 23 – 24 تشرين الثاني.  

المصدر:
النهار

خبر عاجل