حاجتنا إلى التفاؤل بـ “استقلال ثالثٍ”…
غسان تويني
لا نخجل، ولا نأسف، لأننا أسرفنا ربما في التفاؤل برهاننا على ان مجلس النواب كان سينتخب رئيساً للجمهورية في موعد الاستحقاق الدستوري، فلا نقع في فراغ… علماً بأن هذا الفراغ لا يخيفنا ولا يرهبنا رغم مهرجان الترهيب الذي ختم به الرئيس العماد اميل لحود ولايته “العصفورية”!
ولا نأسف لكتابنا “المكتوم” الموجه في هذا المقام الى الرئيس الذي ظننا انه كان قد صار عتيداً… وقد حرصنا على وصف كتابنا “المفتوح” اليه بالمكتوم، اشارة الى ظنٍّ منا انه ستكون بيننا وبين الرئيس العتيد “كلمة سر” يؤكدها ذاك الكتاب على نحوٍ يفهمها معه الرئيس، ولو بدت ذات لغة ليست في متناول الجميع.
ويبقى ذلك الكتاب في ضميرنا وضمير القرّاء – وربما ضمير الرئيس الذي لا بد من انتخابه – عنوان الحاجة الى التزام وثيق للرسولية التي من دونها لا معنى للبنان ولا شرعية لحكمه وميثاق دستوره والوطن.
وفي “الرسولية” هذه، رسالة الحرية، سرّ تفاؤلنا الذي ربما خاب، في الأمس، أملنا فيه، انما فقط الى حين…
ذلك اننا كنا نراهن على نضج الاستقلال في مؤسساتنا والرجال… فاذا بنا نفاجأ بأن ثمة من لا يزال يلحّ على الظن ان استقلالنا كان عام 1943 هبة من خارج عابر، متجاهلاً هكذا أو جاهلاً ان ذلك الحدث الضخم الذي حفل به تاريخنا كان حصيلة نضال فكري وسياسي عريق دام قرابة قرنٍ كامل. وانه كان رسالة حمل مشعلها محازبون لبنانيون، دستوريون ووطنيون، استشهد بعضهم على أعواد مشانق الاستعمار العثماني التي صعدوا الى منصاتها وهم ينشدون قصائد الحرية ويهزجون بأناشيدها.
وهي رسالتهم التي استمرّت حيّة قرناً كاملاً، ثم حرّكت الشعب اللبناني، رجالاً ونساء وشباباً وطلاباً، بينما الحرب العالمية الثانية كانت لا تزال تعصف بعالمٍ آمن بأن أحراره يقاتلون أنظمة الظلم والطغيان… فكيف لا يطالب لبنان وشعبه وحكامه الاستقلاليون بحصته ونصيبه من ذلك النضال؟ فطالب لبنان، وفرض قبول حقه بالاستقلال وناله!
… لم تنتظر حركتنا الشعبية – البرلمانية نهاية الحرب العالمية لتتحرك بينما كانت حركات تحرير أخرى تنتظر أن تنال استقلالاتها كحصّة من نصر “الحلفاء”. ففرضنا نحن أن يسبق ظفرنا بالاستقلال نهاية الحرب، واستفدنا بالطبع من تناقضات “الحلفاء” ومن حروبهم على أرضنا لننال استقلالنا، معمَّداً بدماء جيل جديد من الشهداء نكاد ننسى اسماءهم، قتلهم رصاص الجيوش التي أرادت ان تشبّه لنا انها كانت آتية لتحريرنا!
ولأن الاستقلال يحتاج الى ان يبنى كل يوم، مؤسسات ومواثيق وانجازات، ويزرع ارزه من جديد كل سنة في القلوب والعقول قبل الجبال… لأننا لم نفهم ولم نصدّق ان هذا يجب أن يكون شأننا مع الاستقلال، تركنا الأرز يذبل على الجبال بينما نحن نكتفي بالرقص حوله والغناء لعزّه وجماله… فنخر سوس الحكم الفاسد المؤسسات والعقائد بل والضمائر قبل ان ينخر خشب الأرز…
إلى أن استفقنا ذات يوم على هول ما صار يصيبنا من جرّاء استباحة “الآخرين” – كل “الآخرين”، الاشقاء والاصدقاء مثل الأعداء وأحياناً أكثر – أرضنا ورجالنا، بل النساء والخيرات في حروب يخوضونها على أرضنا وكأنها مجرّد مسرح، عندما لا تكون ملعباً، ومجاني الدخول!
لا، عفواً، كان الثمن وحق الدخول الى الملعب من لحمنا ودمنا، ندفعه نحن، جيلاً بعد جيل ونحن نهلّل للاعبين ونصفّق للمنتصرين في مهرجانات الجهالة، نصفها، امعاناً في الجهل حتى لا نقول الخيانة، بحروب “تحرير” حيناً و”الغاء” للآخرين أحياناً، وانتصار لشعارات الغير في كل حين، مدنّسين في بعض حروبنا المقدّسات “القدسية
– الاوروشاليمية” التي انتحل بعضنا شعاراتها والايمان!!!
… إلى أن طفحت القلوب بدماء فوج جديد من “الشهداء” وكانوا من كل منشأ، من رفيق الحريري، الى بيار الجميّل، مروراً بباسل فليحان وسمير قصير وجبران تويني ووليد عيدو وكل الذين لم نعرف بعد اسماءهم لأننا لم نكتشف بعد المدافن الجماعية كلها وهياكل التعذيب والقتل والارهاب.
وثار الأرز عام 2005، بينما كان يثور الجنوب و”يقاوم” هو أيضاً العدو الأشرس والأكثر افتراساً… انطلاقاً من شرعية دولية ظللتنا بقراراتها سنوات.
وتحقق الاستقلال الثاني… فهلّلنا له وفرحنا به، وبلغت فرحتنا الأوج لا عندما انسحبت الجيوش الغريبة، العدوة والصديقة ولم نميّز، بل عندما تعمّد استقلالنا الثاني وكان عمره بالكاد يزيد على العامين، في حربٍ خاضها جيشنا الوطني المستقل الموحّد ضد محاولة اغتيال له قامت بها جحافل الارهاب التي تحاول اغتصاب شعائر الدين الحنيف، التي للمسيحيين العرب منها وبها حقوق الشركة في الحوار والثقافة، والتعبّد للإله الواحد الأحد، فكيف لا يشاركون في حرب الدفاع عنه؟
ويكتسب الجيش الوطني “براءة” حقٍّ، بل واجب الدفاع عن الاستقلال الثاني الطري العود…
وها هو في “عيد الاستقلال” لا يقوم بواحد من تلك الإستعراضات المهرجانية التي كان يفرح بها حكام أيام زمان، في ساحة الشهداء اياها، وكأنهم كانوا بشيء من السذاجة يشهّدون أرواح الشهداء على انهم يرعون الأمانة!
ها هو الجيش الوطني يحرس الآن أمن المواطنين المؤمنين بالله والوطن، وسلامة المؤسسات الدستورية التي تأبى ان تنحرها كالخراف البريئة ذئاب متقاتلين على أرضنا في فصل جديد نأباه من “حروب الآخرين” يتميّز بل يمتاز بأنه حرب من أجل “سلام الآخرين” على أرضنا، ومتاجراً بثمنها، ولو من بعيد بعيد!…
وها هو في “عيد الاستقلال” لا يقوم بواحد من تلك الإستعراضات المهرجانية التي كان يفرح بها حكام أيام زمان، في ساحة الشهداء اياها، وكأنهم كانوا بشيء من السذاجة يشهّدون أرواح الشهداء على انهم يرعون الأمانة!
ها هو الجيش الوطني يحرس الآن أمن المواطنين المؤمنين بالله والوطن، وسلامة المؤسسات الدستورية التي تأبى ان تنحرها كالخراف البريئة ذئاب متقاتلين على أرضنا في فصل جديد نأباه من “حروب الآخرين” يتميّز بل يمتاز بأنه حرب من أجل “سلام الآخرين” على أرضنا، ومتاجراً بثمنها، ولو من بعيد بعيد!…
ويرجع مرجوعنا الى التفاؤل!
نعم، التفاؤل. وكيف ندعو للإقبال على الظفر باستقلال ثالث ونحن عابسون، متسربلين بمثل الجهل وقصر النظر عن الرؤيوية التي وحدها تقدر ان تغسل بفيض من نورها الحلم بالاستقلال الثالث، نودعه الآن أمانة في عقول وقلوب العاملين من أجل رئاسة وفاقية تنقذ الحلم قبل ان يغرق في اوحال السياسات البالية، والحروب التي يلحّ بعضهم على خوضها مرة أخرى “من أجل آخرين” يبشّروننا كل نهار بأننا الى “حرب أهلية” صائرون، لا محالة.
نعم، التفاؤل. وكيف ندعو للإقبال على الظفر باستقلال ثالث ونحن عابسون، متسربلين بمثل الجهل وقصر النظر عن الرؤيوية التي وحدها تقدر ان تغسل بفيض من نورها الحلم بالاستقلال الثالث، نودعه الآن أمانة في عقول وقلوب العاملين من أجل رئاسة وفاقية تنقذ الحلم قبل ان يغرق في اوحال السياسات البالية، والحروب التي يلحّ بعضهم على خوضها مرة أخرى “من أجل آخرين” يبشّروننا كل نهار بأننا الى “حرب أهلية” صائرون، لا محالة.
كلا. لن نتحارب. سنظفر بالاستقلال الثالث بالشهادة له، ولا حاجة هذه المرة الى الاستشهاد، بل قد يكون “الوفاق” البرلماني وما يمثل، هو الجهاد السلمي الأمثل!
ذلك هو الايمان الطالع نوره، الذي يحلّل سر التفاؤل!