المعارضة تترك لعون إدارة التعبئة والإستقرار نقطة التقاء “عضّ الأصابع” الإقليمي – الدولي
معركة الإنتخابات: بري يُمسك بناصية المجلس والسنيورة بناصية الحكومة
معركة الإنتخابات: بري يُمسك بناصية المجلس والسنيورة بناصية الحكومة
حسين سعد
بُعيد الواحدة من يوم الثالث والعشرين من تشرين الثاني الجاري قُرع جرس المجلس النيابي مرات ثلاث، إيذاناً ببدء جلسة “إنتخاب السيّد رئيس الجمهورية”· كان القارعون، على إدراك تام، بأن صوت الرنين الذي دوّى في القاعة، هو نذير بأن الجمهورية ذاهبة الى فراغ في اليوم التالي، وأن نواب الأمة، يشهدون على عجز لا يقبل الجدل والنقاش، عن إدارة شؤون السلطة، وأن الديمقراطية اللبنانية، أو على الطريقة اللبنانية، لا حيلة لديها، في تكوين السلطة أو تجديد الرئاسات، إلاّ على وقع “القوة الفاعلة” الدولية أو الإقليمية، بتفويض، في الغالب الأعم، أو تفاهم مفخخ، في حالات التجاذب و”عض الأصابع”··
هكذا·· وبأقل من بضع دقائق، نجح نواب الموالاة والمعارضة في امتحان إثبات قدراتهم الفائقة في تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية خلفاً لإميل لحود، الذي كان ينتظر جُلّهم، خروجه من قصر بعبدا، على أحرّ من الجمر··
ليس الحدث حدثاً عادياً، بطبيعة الحال، وليس منفصلاً عن سياق الأزمة، المتطوّرة بعد 14 آب من العام 2006، غداة وقف العمليات الحربية بعد حرب تموز المدمّرة بنتائجها العدوانية والسياسية، ولا يمكن النظر إليه نظرة تبسيطية، بل قد تكون أبعد من حدود تأجيل الانتخابات الرئاسية أسبوعاً أو أسبوعين، بل لعلّ الموقف يرتبط بتوازن القوى السياسية الداخلية، المتشكلة، في خضم الأزمة، المندلعة على مستوى الشرق الأوسط، والاشتباك الدولي على ساحتي النفط والملفات النووية ومصالح النفوذ المتصاعدة أو النائمة على لعبة المسرح الدولي ككل·
ويتفق خبراء الأزمة على اعتبار أن الربط بين مؤتمر أنابوليس المخصص للصراع العربي – الاسرائيلي وبمشاركة عربية بقرار من مجلس الجامعة على مستوى الوزراء والجلسة الجديدة لمجلس النواب يوم الجمعة في الثلاثين من هذا الشهر، يعني هذا الربط أن لبنان وقع فعلاً داخل معطيات التجاذبات الخاصة بصراعات المنطقة، فإذا احتدمت تأخرت الرئاسة، وإذا بردت، أصبحت الفرصة أكثر مؤاتاة لتمرير رئيس على قياس برودة العلاقات الإقليمية والدولية··
في أول اختبار لقدرة اللبنانيين على تطبيق دستور الطائف كانت النتيجة إخفاقاً مبيناً··
أمّا الإختبار الثاني الماثل على بساط المرحلة المقبلة يتمثّل بصمود الاستقرار الأمني والسياسي والإقتصادي، ولو في حدّه الأدنى، بعد أن آلت الأمور على مستوى السلطة الإجرائية بالكامل للحكومة الحالية··
وهنا يدور نقاش حول حدود ممارسة هذه السلطة وبأية حدود، بصرف النظر عن مدة الوكالة التي ستمارس بموجبها، استناداً الى المادة 62 من الدستور) المعدّلة بالقانون الدستوري الصادر فـي 1990/9/21، والتي تنص على أنه “في حال خلوّ سدة الرئاسة لأيّ علّة كانت تُناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء”، فهل ستمارس الصلاحيات كاملة، وكيف، وهل ستكتفي حكومة الرئيس فؤاد السنيورة بتصريف الأعمال في الحدود الضيّقة التي تسمح بها مصالح الدولة والمواطنين، لئلا تُصاب بالشلل وتُلحق الضرر بالمصلحة العامة··
وفي إطار الخيار الأول، يؤكّد خبراء الدستور أنه في حال قرّرت الحكومة ممارسة كل صلاحيات رئيس الجمهورية، بالنظر الى أن النص الدستوري لا يحول دون ذلك “إلاّ أنه في هذه الحالة يجب أن يشترك كل الوزراء في التوقيع على القرارات والمراسيم وليس رئيس الحكومة فقط”·
وهنا تبرز أسئلة حاسمة في هذا المجال، مَنْ من الوزراء سيوقّع، هل الوزراء الأصيلون أم وزراء الوكالة، بمعنى أن وزراء المعارضة المستقيلين، الذين ما يزالون ينظرون الى الحكومة أنها لا دستورية، ولا شرعية، ولا ميثاقية، هذه مشكلة إضافية قد تحول دون القدرة على ممارسة الصلاحيات كاملة، مثل قبول استقالة الوزراء أو تعيين وزراء آخرين، أو أيّ شيء من هذا القبيل··
أمّا بالنسبة لانتخاب رئيس جديد في حال خلو سدّة الرئاسة لأيّ سبب كان استناداً الى المادة 74 من الدستور التي تنص على أنه “إذا خلت سدّة الرئاسة بسبب وفاة الرئيس أو استقالته أو لسبب آخر، فلأجل انتخاب الخلف، يجتمع المجلس فوراً بحكم القانون”·
وفي خضم الجدل الدائر حول ما إذا كان المجلس يجتمع حكماً، وبصرف النظر عن النصاب بالثلثين أو بالنصف + واحداً، فإن السؤال المحوري هل الاجتماع يمكن أن يحصل من دون دعوة رئيس المجلس، وهذه أيضاً نقطة خلافية·· فالبعض يعتبر أن الاجتماع الحكمي يعني عدم انتظار صدور مرسوم فتح دورة استثنائية، “وكلمة “فوراً بالرغم من عدم اتضاحها، فإنها تعني اجتماع المجلس من دون إبطاء أو تأخير في أقرب وقت ممكن مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف السياسية وضرورة التحضير لانتخابات الرئاسة، ورئيس المجلس النيابي هو الذي يحدّد تاريخ وموعد اجتماع البرلمان وله الصلاحية الاستنسابية في تقدير الظروف السياسية”·
وبقدر ما يتفاهم اللبنانيون على منطق القراءة الدستورية للمواد الحاكمة لمرحلة ما بعد عدم انتخاب رئيس جديد للجمهورية، بقدر ما تساهم هذه القراءة في إضفاء طابع الهدوء على مقاربة الموقف السياسي، على مستوى الظروف أو المضي قُدماً في عملية ملء الفراغ على مستوى رئيس الجمهورية··
من هذه الوجهة، وفي ظل توازن تقاسم السلطة الآن بين المعارضة والموالاة، المعارضة على مستوى الإمساك بناصية القرار المجلسي، والموالاة على مستوى إدارة السلطة الإجرائية، من المرجّح أن يستمر الستاتيكو السياسي والأمني على مستوى الهدوء والاستقرار بصرف النظر عن الترتيبات الإقليمية والدولية الجارية·· تصريف أعمال، تعطيل شبه كامل للقرارات الكبرى·· وحالة من الانتظار غير الضاغط لترتيب وضعية السلطة على مستوى الرئاسات الثلاث في المرحلة المقبلة··
والسؤال هل البلاد أمام فترة انتظار طويلة؟
والجواب أن الأزمة ليست من النوع السهل تجاوزه، لذلك من الصعب توقع الفترة، فهي قد تنتهي في غضون أسبوع أو أسبوعين أو تمتد لأكثر من شهر، وربما تذهب الى الانتخابات النيابية في ربيع العام 2009 ·
وفي هذا الوقت، أسندت المعارضة قضية التعبئة والتحضير للعماد ميشال عون، في وقت تتولى فيه حكومة السنيورة إدارة الوضع والحفاظ على الاستقرار، ما دامت كلمة السرّ أن الاستقرار اللبناني هدف في حدّه الأدنى، وإن كان ثمة حرص فعلي على انتخاب رئيس في أقرب وقت ممكن!