#adsense

جديد لبنان.. هو وصول “هستيريا الكلام” الى لحظة الامتحان!

حجم الخط

جديد لبنان.. هو وصول “هستيريا الكلام” الى لحظة الامتحان!
محمد مشموشي

 

ليس جديدا القول ان اللبنانيين اعتادوا، بل وتأقلموا، ومنذ سنوات عديدة، على الفراغ في رئاسة الجمهورية. تارة بينما يشغل المقعد رئيس حكومة لا يقتنع بأنه مؤقت في القصر وبأن مهمته هي فقط التحضير لانتخاب رئيس أصيل (حالة العماد ميشال عون في العامين 1988 و1989)، وتارة بينما يشغله رئيس منتخب يمنع من دخول قصر الرئاسة (حالة الرئيس الياس الهراوي مع العماد عون في العامين 2000 و2001)، وتارة بينما يشغله رئيس منتخب أو ممدد له بقرار خارجي يفرض عليه أن يمارس مهماته بتوجيهات منه، وتارة بينما يشغله رئيس تقاطعه غالبية اللبنانيين وغالبية دول العالم فلا يرف له جفن ويصر على البقاء في منصبه حتى آخر لحظة كما حدث في الفترة الأخيرة.


الجديد هو الخلط المتعمد بين الفراغ في رئاسة الجمهورية وما يوصف بـ “الفراغ”، وصولا الى الفوضى، في البلد كله. واذا كان الهدف من الخلط المتعمد مفهوما، وهو تصوير اللبنانيين وكأنهم مقبلون بالضرورة على حرب أهلية (تحدث عنها علنا مسؤول ايراني)، فليس معروفا ماذا يقصد بعض الساسة اللبنانيين عندما ينعون ­ للمناسبة فقط! ­ الوجود المسيحي ليس في لبنان فقط بل وفي المنطقة كلها. ولأن بعض هؤلاء مسؤولون، أقله جزئيا، عن دفع موقع الرئاسة الى الفراغ عبر مقاطعتهم جلسات انتخاب الرئيس، يمكن الذهاب الى أن القصد من النعي هو أن يكون الوجه الآخر لحديث الحرب الأهلية.


القاء تهمة “فخامة الرئيس” على رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة تكفي دليلا على جانب من هذا الهدف. و”رفض” زيارته بكركي واستقباله من البطريرك نصر الله صفير له دليل آخر. واعادة الثرثرة حول “لا ميثاقية ولا شرعية ولا دستورية” الحكومة، وتاليا اذاً رئاسة الجمهورية، دليل ثالث. وليس مستبعدا، في ضوء هستيريا المرحلة الماضية، بلوغ التحريض المتمادي ذروة أخرى غير محمودة العواقب.


وسيراً مع النظرية الى آخرها (يتمنى اللبنانيون أن يكونوا مخطئين في ذلك)، يصبح الأمل بأن تجري الانتخابات الرئاسية في مستقبل قريب مجرد ظن، ويكون لبنان دخل مرحلة قد نعرف كيف تبدأ لكننا لا نعرف بالقطع كيف تنتهي.
هل يريد أحد أن يصدق ذلك؟!.


طبعا لا، وطبعا بالأحرى لأن من شأن التنافس على “الخدمة العامة” من خلال رئاسة الجمهورية أن يسمح بممارسة اللعبة الديموقراطية بكل الوسائل الممكنة، وحتى نهايتها، الا أن الاندفاع الى ما يهدد الوحدة والوطن والمستقبل (فضلا عن الحرية والسيادة والاستقلال) ليس مما يتصوره عاقل الأن خصوصا بعدما بلغ أمر الرئاسة ما بلغه. وطبعا كذلك لأن الغاية هنا لا تبرر الوسيلة، أيا كانت هذه الغاية نبيلة أو كانت تملك ما يقال عن شعبية هنا وهناك.

.. وليس جديدا كذلك القول ان بعض فرقاء الطبقة السياسية باتوا أسرى مواقفهم، وأنه بات صعبا عليهم التراجع ما لم تتوفر لهم “مبررات” يقدمونها الى الجماهير التي عبأوها بشعارات مختلفة. تارة ضد “استئثار” طرف بالسلطة (وفي بعض الحالات طائفة أو مذهب) واحتلاله السرايا الحكومية زورا وبهتانا، وتارة ضد “حكومة فيلتمان” التي تدار من السفارة في عوكر (وليس من واشنطن مثلاً!)، وتارة من أجل مجرد “المشاركة” في صنع القرار، وتارة على طريق “النصر الموعود” الخ..
الجديد هو تحول أسرى مواقفهم هؤلاء الى سجناء بالاختيار، واقفالهم أبواب السجن الاختياري من الداخل وتبريرهم ذلك باتهام النواب الذين نزلوا في فندق “آمن” نسبيا حماية لأنفسهم من الاغتيال بأنهم هم “السجناء” (والبعض يقول مثل الفئران)، ورفع لافتة الخيانة وخدمة المخطط الأجنبي في وجه كل من يحاول أن يضع مفتاحا في أقفال سجنهم، بينما يواصلون هم احتلال أملاك الدولة والغير في وسط بيروت ويهجرون قاطنيها والعاملين فيها.. ثم يحتفلون جهارا نهارا بمرور عام على بدء “المسيرة”، برغم أن المسيرة التي هدفت الى احتلال السرايا الحكومية واخراج رئيس الحكومة منها أدت، في ما أدت، الى الفراغ في قصر الرئاسة.. وقانونيا “تحريره” ممن احتله لثلاث سنوات كاملة بقوة قرار التمديد.


وهكذا فمشكلة لبنان الآن تكمن في هذا السجن الاختياري، وفي حاجة نزلائه الى من، وما، يفتح لهم أبواب السجن ليخرجوا منه وهم يرفعون علامات النصر. كيف؟!، ومتى؟!، وبأية طريقة يحدث ذلك؟!، تلك هي الأسئلة التي يأمل اللبنانيون أن تجيب عليها الأيام القليلة المقبلة.. وليس الأسابيع أو الشهور أو السنوات كما يشيع بعض السجناء أنفسهم.

.. وليس جديدا كذلك القول بـ “لا ميثاقية ولا شرعية ولا دستورية” الحكومة الحالية، ولا القول بـ “لا دستورية الانتخاب بالنصف زائداً واحداً”، ولا القول بـ “قانونية اقفال مجلس النواب” والتبرع بتفسير الدستور من هنا وهناك برغم أن المجلس هو الوحيد المخوّل بالتفسير، ولا القول بـ “الحق الديموقراطي” للنواب في مقاطعة جلسات البرلمان بما فيها جلسة انتخاب الرئيس، ولا القول بـ “أن الكل ينتظرون كلمة من البطريرك الماروني.. حتى اذا قال كلمته، مضطرا، تفرق القوم كل الى سجنه”، ولا أخيرا القول بـ “أن الحرب الأهلية خط أحمر، من بين خطوط حمراء عديدة تحول بعضها الى اللون الأخضر والبعض الآخر الى اللون الاصفر” الخ..


الجديد هو المراهنة شبه العلنية، والمعترف بها داخليا واقليميا، على اللقاء الذي دعت اليه الولايات المتحدة في أنابوليس للتسوية في المنطقة وما يشير اليه من امكان بدء حوار بين واشنطن ودمشق يؤدي، ربما كما يقال صراحة، الى فك أسر التسوية في لبنان.


والجديد أيضا هو القول شبه العلني، والمعترف به داخليا واقليميا كذلك، بأن من شأن هذا الحوار أن يؤدي الى عودة النفوذ السوري الى لبنان والى اعتراف العالم، بما فيه الولايات المتحدة أولا، بهذا النفوذ.. حتى لا يقال بإعادة تلزيمه لبنان حاضرا ومستقبلا!!.


هل بات الحلفاء اللبنانيون لسوريا وايران، المجاهرون بتحالفهم والمتخفون وراء لافتات باهتة، على استعداد للقول صراحة أن كل ما فعلوه حتى الآن (وأدى الى تهديد الدولة والصيغة والكيان فضلا عن النسيج الاجتماعي) كان بقرار سوري، أو سوري ­ ايراني مشترك، لاسترجاع النفوذ السوري الى هذا البلد التعيس.. بطبقته السياسية المهترئة؟!.
وهل تكون “الممانعة” حققت اذاً نصرها المؤزر على مشروع “الشرق الأوسط الكبير” ومخطط “الفوضى الخلاقة” في المنطقة ولبنان؟!.

لقد بلغت الهستيريا اللبنانية، السياسية والدستورية والنيابية والحزبية، ذروة جديدة وهي تدفع باتجاه خدمة المصالح الشخصية للطبقة السياسية المهترئة، ومن شأن المرحلة المقبلة أن تشكل الامتحان الأخير

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل