….ما جانيش نوم
عـماد مـوسى
إنبلج فجر الرابع والعشرين من تشرين الثاني وعيناي مفتحتان. على بالي أن أغني. غنّيت ليلة مبارح ما جانيش نوم…واحنا لسه بأول يوم قبل ما ترميني ببحورك مش كنت تعلّمني العوم …ألله يا سيد مكاوي. اليوم الأول بعد لحود أشرق لذيذاً. صراحةً لم يساورني أي نوع من أنواع الحزن والإكتئاب المتداولة في السوق المحلي ولا انتابني أي قلق وجودي لشغور الموقع الأوّل في الجمهورية اللبنانية.
ليلة مبارح عشتها وكأنها ليلة رأس السنة حيث يطبع العشاق عدة أصناف من القبل في لحظة انطفاء الأضواء والتقاء عقربي الساعة عند الرقم 12. حذوت حذوهم .الساعة الثانية عشرة ليلاً هجمت على التلفزيون وقبّلت الشاشة التي تنقل وقائع مغادرة الرئيس إميل لحود قصر بعبدا.خبر أروع من أن يُصدّق.كثيرون توقعوا أن يختصر لحود سيرة 14 جنرالاً في سدة الحكم كما حال بطل غابرييل غارسيا ماركيز في رواية “خريف البطريرك”الذي عاش 232 عاماً في قصر عششت الغرابة في قاعاته. خذلهم.إكتفى بتسعة أعوام.ستة مهّد لها الرئيس حافظ الأسد وثلاثة مهرها الرئيس بشار الأسد بطابعه.
بخطى ثابتة إستعرض الرئيس لحود الحرس الجمهوري. صافح مودعيه. وقبل أن يستقل سيارته إستصرحه الزميل بسام أبو زيد فتوّج الجنرال لحظات عهده الأخيرة بكلمة بليغة ستُدرّس في معاهد الآداب والفلسفة السياسية. “أغادر وضميري حي.ولبنان بألف خير”
فمن من الرؤساء اللبنانيين غادر وضميره ميت ؟
ومن من جنرالات العصر الحديث غادر السلطة وضميره غير مرتاح؟ من ضياء الحق إلى كل من أصبحوا في ديار الحق؟
وهل من يشك أن الرئيس لحود حمّل ضميره يوماً؟ لا قبل التمديد السوري لفخامته وخزه ضميره ولا بعد ذلك التاريخ أنبه الضمير.
ولبنان فعلاً بألف خير.
غادر لحود بألف خير. إرتاح ضمير لبنان. هكذا تركب الجملة بشكل أفضل.
وتمنى الرئيس السابق في لحظة تألق بياني إنتخاب رئيس توافقي “رجّال” يقف إلى جانب لبنان القوي. ال”رجال” بتحليل نص لحود هو شخص زكرتْ.عنيد.معجب بنفسه. يتصدى للمجتمع الدولي الساعي إلى قهره.وإذا طلعت الصخرة بوجه “الرجال” يجب أن ينطحها ثم يطحنها ” ويعرف لحود بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن الوطن بأسره “أن لبنان يتمتع برجال أقوياء يستطيعون أن يأخذوا حق هذا البلد”.وينطحون الصخر والقزاز.
بدا فخامته منفعلاً وهو يفرغ بلاغته علينا محذراً من الثمن الغالي إن حدنا عن رؤيته.الرئيس يتكلّم بصدق. لا شك بصدقه. نبرة صوته. عيناه. إنفعاله.حركة يديه… كلّها تنمّ عن صدق. إنه يصدّق ما يقوله.وهنا الكارثة.
غادر الرئيس وعلى لسانه النغمة ذاتها “هذه الحكومة غير شرعية وغير دستورية وغير ميثاقية. وهم يعلمون ذلك…” يحكي الرئيس للتاريخ. وسيظل يردد هذه الجملة حتى تتناقلها الأجيال مثل أوبرا عايدة وأبو الزلف والدلعونا. كل شيء قابل للتلحين والغناء حتى ” أصمت”. الملك خوان كارلوس قالها لثقيل الدم تشافيز ووجدت طريقها إلى المستمعين. “غير شرعية وغير دستورية” تُلحّن أيضاً.وقائلها فيه الكثير من تشافيز.
أمضيت الساعات الأولى من صباح 24 تشرين الثاني مبتهجاً ومنفعلاً بالعظة الأخيرة للرئيس لحود. سأشتاق له.إنما سعادتي برحيله لا توصف.
ليلة مبارح ما جانيش نوم. لكن ما إن تأكدت أنه “فلّ” وصار ببعبدات ولبس البيجاما وما ناسي شي بالقصر… نمتُ.