#adsense

ليعلن البطريرك حال الطوارئ في الملّة

حجم الخط

ليعلن البطريرك حال الطوارئ في الملّة

وسام سعادة

 

لم يعلن العماد إميل لحّود حال الطوارئ. أصلاً، ما كان بمقدوره اعلانها. وتجاوزاً، هب أنه أعلنها، فهذا ما يلزم حلفاءه قبل سواهم. يلزمهم بتفكيك اعتصامهم القائم في وسط العاصمة.


لم يعلن العماد إميل لحّود حال الطوارئ. انقضى عهد التمديد. بدت الساعات الأولى من «الفراغ الدستوري» أو «الفراغ المنظم» أو «الفراغ الهادئ»، محببة للبنانيين. اكتشفوا أنه يمكنهم أن يأكلوا ويشربوا ويناموا ويخونوا زوجاتهم وأزواجهن حتى من دون وجود رئيس في قصر بعبدا. انما يبقى سؤال لا مفرّ منه: هذه الحالة، الى متى؟


البعض يحسبها بالأيام، ويستدل بتحضيرات مؤتمر أنابوليس. البعض يحسبها بالأسابيع، فيحدس بطلاق محتم بين الفراغ والهدوء، فاما أن ينتصر الهدوء على الفراغ، واما أن ينتصر الفراغ على الهدوء. البعض يحسبها بالأشهر، ويضبطها على ايقاع الأزمة النووية بين ايران والمجتمع الدولي، كما لو أن لبنان يعيش حالة وقف اطلاق للنار، بانتظار صاعق التفجير الاقليمي.


لكن البعض، يحسبها بما يزيد عن الأيام والأسابيع والأشهر. يحسبها بمقياس التجربة التاريخية للكيان اللبناني. فلا يعود السؤال هذا الفراغ «الى متى؟»، أو هذا الهدوء «الى متى؟»، انما تطرح أسئلة شبيهة تتناول مستقبل كل من النظام السياسي والنسق الكياني، انطلاقاً من تخريج علامة الاستفهام الكبرى التي باتت تطرح نفسها مذ حلّ الفراغ ضيفاً في قصر بعبدا: هل يسترجع الموارنة منصب رئاسة الجمهورية؟


لقد كانت رئاسة الجمهورية بحكم الضمانة الرمزية والمؤسسية العليا بالنسبة الى الموارنة. هذه الضمانة كانت معقودة لهم، فصارت هي نفسها بحاجة الى ضمانة. كانت حارسة ضابطة راعية لوجودهم ووحدتهم، لكنها انقلبت على نفسها، أو انحرفت عن مسارها، واستحالت عنواناً للانقسام والتشظي، وعصاباً يدفع أبناء الملّة الى سلسلة من الرهانات غير المحسوبة، اختتمت بتفاهمات غريبة الأطوار. ذهنية واحدة حكمت بالتتابع كلا من الرهان على سوريا عام ,1976 وعلى اسرائيل عام ,1982 وعلى العراق عام ,1989 وعلى ايران عام .2006 فكانت المحصلة النهائية: ضياع الرئاسة، ولو الى حين. لكن من يمكنه أن يجزم، بأن الموارنة يضمنون استرجاعها؟ ذلك أن شرط كل «ضمانة» في العرف السياسي أن لا تعلّق ولو للحظة واحدة. بمجرّد تعليقها للحظة واحدة لا تعود الضمانة ضمانة.


بعد سنتين ونصف السنة، على خروج القوات السورية من لبنان، ضيّع الموارنة رئاسة الجمهورية. بعد سنتين على انشطار الموارنة بين قسم يحالف السنة وقسم يحالف الشيعة، لم يعد في قصر بعبدا واحد منهم، كائناً من كان.


لقد كانت الآلية التحكيمية التي ارتضاها البطريرك صفير بعد منحه الضمانات الفرنسية اللازمة، هي السبيل الأخير لحفظ الرئاسة في الموارنة، وقطع الطريق أمام الفراغ والمجهول. بأقل ما يمكن من كلمات، فان مبادرة العماد ميشال عون كانت لقطع الطريق أمام هذا السبيل الأخير. يمكن أن يصار الى جدل حول المسؤوليات وكيفية توزيعها. لكن رصاصة الرحمة على الرئاسة المارونية، قد أتت من جعبة ميشال عون.


عشية انتخابات ,2005 كتب العبد لله، أنه اذا ما قدرت للوائح المدعومة من العماد عون أن تفوز بشكل كاسح في الانتخابات «فهاكم نبوءة سيكون اميل لحود آخر رئيس ماروني للبنان». للأسف، يوحي الفراغ بأن هذه النبوءة في طريقها الى التحقق. الحائل الوحيد دون تحققها الآن، هو أن يبادر البطريرك صفير الى اعلان حال الطوارئ والاستنفار العام في الطائفة المارونية. فهذه الطائفة كما كانت تعرّف نفسها في القرون الغابرة، هي أمة، على رأسها بطريرك، ويساعده المقدمون. والمشكلة كل المشكلة، أن البطريرك وحده بقي موجوداً، لكن أين المقدمين؟!


لا مناص من اسعاف الآلية التحكيمية التي باركها البطريرك صفير بلائحته، بحيث تطرح نفسها، من جديد، وبضمانات أقوى. لكن ذلك لن يكون ميسّراً الا بنخعة شاملة للوعي الماروني بأثره، وبالتحديد، بعد أن يدعو البطريرك صفير، في الآتي من أيام، أبناء ملّته، الى الصرح البطريركي، في مؤتمر استثنائي ماروني عام، ويقوم بتوبيخهم جميعاً، تماماً كما في القرون الوسطى. ولا بأس لو حكم على البعض منهم بالاقامة الجبرية في أقبية بعض الأديرة النائية.


في الوقت نفسه، على البطريرك صفير، أن يفهم بعض التائهين أو الحائرين من أبناء ملّته، بأن ميثاق العيش المشترك، المذكور في مقدمة دستورنا، هو ميثاق ثنائي اسلامي ـ مسيحي، أو «نصلامي» بلغة كمال يوسف الحاج. ليس ميثاقاً بين 18 طائفة كي يقال أنه يمكن لأي حزب طائفي أن يلغي الدولة بمجرد انسحابه من حكومتها. انما هو ميثاق بين المسيحيين والمسلمين، وكل زغل يصوّره على أنه ليس كذلك، ليس الا طعنا بالدستور وبالميثاق في آن.
 

المصدر:
السفير

خبر عاجل