“القبس” الكويتية: لماذا فشلت المبادرة الفرنسية في لبنان؟في مقال تساءلت فيه عن اسباب فشل المبادرة الفرنسية في لبنان اوردت صحيفة “القبس” الكويتية اليوم مقالا جاء فيه:
بخفي حنين غادر وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير لبنان بعدما انقشعت المساعي الفرنسية المبذولة لحل الازمة الرئاسية عن نتيجة مخيبة للآمال وبلد بلا رئيس.
فالوزير كوشنير ومن خلفه الرئيس نيكولا ساركوزي وضعا مصداقية باريس على المحك في منطقة تشهد انحسارا لنفوذها. وكانت النتيجة ان فرنسا التي حشرت نفسها في ظل ظروف ومعطيات معينة واطلقت مبادرتها وقعت في هفوات واخطاء تكتيكية ادت في النهاية الى خروجها من الحلبة.
ولمعرفة اسباب الفشل الفرنسي ونتائجه ينبغي التوقف امام عدة ملاحظات.
منذ الخبطة الاعلامية الباهرة التي قام بها الرئيس ساركوزي بحلحلة ازمة الرهائن البلغار في ليبيا، وجدت فرنسا في لبنان فرصة سانحة وذهبية تسمح لها بالعودة الى المعادلة المتوسطية والشرق اوسطية. وهذا جزء من طموح ساركوزي صاحب مشروع الاتحاد المتوسطي.
وفرنسا التي لا تملك الاوراق سواء الاغراءات او التهديدات من اجل إنجاح مبادرتها، اصبحت قوة متوسطة الحجم في العالم تفتقر الى الجزرة كما الى العصا لفرض نفسها وتحقيق نصر حقيقي يعيد لها دور الام الحنون في لبنان.
على ان اللافت ان الدبلوماسية الفرنسية لم تتعظ من فشلها الاول عندما دعت ممثلي كافة التيارات السياسية الى مؤتمر سان كلو، فحاولت مجددا طرق باب دمشق بمعادلة تقوم على مساهمة سوريا بتمرير الاستحقاق الرئاسي اللبناني كممر نحو تطبيع اوروبي – دولي معها.
وبعدما حصل الرئيس الفرنسي على تفويض من نظيره الاميركي جورج بوش، ذهب امين عام الرئاسة الفرنسية كلود غيان الى دمشق والتقى الرئيس بشار الاسد، حتى ان الرئيس ساركوزي هاتف الرئيس السوري في خطوة غير مسبوقة لتمرير الاستحقاق وذلك بعد ان ايقن الفرنسيين ان آليتهم لتمرير الانتخابات قد اصطدمت بعوائق لبنانية داخلية.
فالاتفاق مع السوريين وقع على تفويض الرئيس نبيه بري والنائب سعد الحريري اختيار اسم من اللائحة الذي ضغط كوشنير كثيرا على البطريرك مار نصرالله بطرس صفير لاعدادها، والمهم ان السوريين لم يمانعوا امام الفرنسيين باختيار اكثر من اسم من اللائحة ليتم ترشيحها في البرلمان في حال الاخفاق باختيار اسم واحد، لكن حلفاء دمشق في لبنان، تصرفوا على غير مقتضى الاتفاق.
وقد فات الادارة الفرنسية ان دمشق بارعة في التفاوض وهي ليست في عجلة ابدا، بل انها تفضل التأجيل اقصى ما يمكنها. ومن المرجح ان يكون الفرنسيون قد ادركوا متأخرين ان دمشق لم يكن يعنيها من التفاوض معهم سوى فتح الباب الاميركي امامها، خصوصا ان دمشق تدرك جيدا ان الاميركي هو الذي يملك الجزرة اكانت في لبنان او في الجولان او في اي مكان على الكرة الارضية، كما ان الاميركي هو الذي يملك العصا التي فرضت خروج الجيش السوري من لبنان ربيع 2005.
والخطأ الثاني الذي اضعف الورقة الفرنسية كثيرا واخرجها من دائرة الاعتبار كان طريقة التصرف او التفاوض مع ايران بخصوص الملف اللبناني.
فبأسلوب عجيب وغير مبرر حاول الفرنسيون فصل الملف اللبناني عن الملف النووي الايراني، وبالتالي فان كوشنير السلبي والحربي اذا جاز التعبير في الملف النووي الايراني لا يمكن ان يكون الطرف الاكثر اهلية لاقناع الايرانيين بتمرير الاستحقاق الرئاسي اللبناني. وقد انعكس موقفه تصعيدا ايرانيا واضحا ترجم بالخطاب الناري للسيد حسن نصرالله في يوم الشهيد وكذلك بعدم استقبال موفده جان كلود كوسران من قبل طهران ودعوته شخصيا للتوجه الى ايران.
وفي المحصلة، فان الفراغ اللبناني يشكل صفعة قوية للدبلوماسية الفرنسية التي اصيبت بالعجز رغم ان لبنان يعتبر البلد الوحيد في المنطقة يمكن لفرنسا ممارسة تأثير جدي فيه لاسباب تاريخية. وفشل فرنسا في لبنان سيؤثر حتما على مشروعها المتوسطي، وسيؤدي الى تراجع اعتبارها لدى دول المنطقة المؤيدة لمبادرتها، كما ان الولايات المتحدة ستعيد الامساك بالملف اللبناني بعد مؤتمر انابوليس وفق سياستها التقليدية والقائمة على أقصى دعم لقوى الاكثرية وخياراتها.