خوف من “العلاقات” غير الحبية !
علي حماده
صار لبنان معلقاً بأهداب “البازار” الاقليمي – الدولي الكبير، وصار مصير الكيان اللبناني رهناً بالصراع الدولي على المنطقة. لكن الجديد الذي يميز مرحلة الصراع الدولي في بداية القرن العشرين، ان اللبنانيين انفسهم، او جزء منهم يتحمل مسؤولية كبرى في دفع البلاد الى حافة التدمير الكياني بفعل انخراطه في مشروع اقليمي قدم البعد الايديولوجي – الامني حتى على مسألة الحفاظ على الكيان بخصوصيته اللبنانية التي كانت ولا تزال تميزه عن محيطه الاقرب والابعد.
والحق انه اذا كان الجميع اندفعوا في تقديم انفسهم وقوداً لحروب الآخرين، وربما لسلامهم على ارضنا، فإن الحق يدعونا الى الزعم ان فريقاً لبنانياً دون سواه، اخذ ولا يزال يأخذ البلد نحو عملية تغيير كبرى لخصوصيته، وتبديل جوهري في معناه بفعل هذا الاستتباع المخيف الذي حوّل جزءاً من الشعب اللبناني “ماكينات اسبارطية” منفصلة تمام الانفصال في مصالحها الفعلية، وعقيدتها الدفينة عن بقية الفئات اللبنانية. هنا وجه الخطر الكياني. لا نقول هذا الكلام للانتقاص من لبنانية فريق دون سواه، وبالتأكيد لا نقصد الطائفة الشيعية وانما فريقاً من داخلها يختطف القرار ويأخذه في اتجاهات تمثل في عمقها طلاقاً كاملاً مع لبنانية الطائفة، وكيانيتها. فمن طائفة الدولة بامتياز يكاد “حزب ولاية الفقيه” ان يخرج الطائفة الشيعية من خيار اللبننة باسقاطه على قرارها السياسي ايديولوجيا مستقاة من تراث ايراني بعيد في رمزيته، وغريب في منابعه عن التاريخ اللبناني المرتكز الى فكرة التنوّع والتعددية، والتوازن الدقيق بين مكونات البلد. من هنا الخوف الدائم الآتي من التغيير القسري لا بل الانقلاب الدائم الذي يمثله هذا الحزب على لبنانية الشيعة، وعلى لبنانية كل الطوائف الاخرى. فحيث يقبل الجميع بالاحتكام الى مشروع الدولة، ويرفضون امتلاك مشاريع خاصة قائمة على جيوش خاصة، يواصل حزب واحد المضي في تكبير حجمه على مختلف الصعد، ولا سيما على مستوى الكيان الموازي الذي يمتلك دورة الحياة الخاصة به من المهد الى اللحد، ولا سيما لجهة التسليح الذي لا يشك لبناني واحد في انه عاجلاً ام آجلاً سوف يستخدم في الداخل ضد لبنانيين آخرين.
وكل ذلك يحصل تحت العباءة المزدوجة القائمة على منطق التلويح بالقوة من جهة، ومنطق موقع الشيعة على اللوحة الطائفية اللبنانية. ولمن لا يزال يتساءل عما اذا كان “حزب ولاية الفقيه” سيستخدم سلاحه داخلياً، نورد مثال التدريبات العسكرية التي ينظمها في البقاع، وتوزيعه السلاح منذ اشهر عدة على قوى في مختلف المناطق، فضلاً عن تمويله اكبر عملية تجنيد سياسية وامنية في الطوائف الاخرى من اجل اختراقها بالكامل وسط غياب البعض عن الوعي، واستسلام البعض الآخر لاغراءات “المال الطاهر”، وانتهازية البعض الثالث السياسية.
لا نود ان يؤخذ كلامنا على انه موجّه ضد موقع الشيعة في المعادلة اللبنانية. والا لما كنا منذ اشهر طويلة اصررنا وبقوة على استخدام تسمية “حزب ولاية الفقيه” اولاً للتمييز بين الشيعة والحزب باعتباره جزءاً من منظومة عقائدية وسياسية وامنية غير لبنانية، لا بل غير عربية. وثانياً رفضاً منا لمصادرة اي كان الذات الالهية في سياق سياسي ومخابراتي، او في سياق لعبة انظمة انتهازية لم تتوان لحظة عن شراء السلاح من اسرائيل نفسها، وهي نموذج الدولة الساحقة لانسانية الانسان في وطنه.
ان الازمة في لبنان ليست مسيحية، ولا هي حول الرئاسة. ويخطئ من ينخدع بالشعارات السياسية التي يطلقها بعض الغائبين عن الوعي. فالازمة ازمة كيان اولاً وآخراً. ومسؤولية “حزب ولاية الفقيه” بعناصره اللبنانية تكمن في ان مفتاح انقاذ الكيان هو في يدهم ان هم انسلخوا عن مشروع نقيض للبنان التعددي. اما ان استمروا في ما هم سائرون فيه فلبنان قادم على ايام عصيبة، كما ان الكيان لن يكون نفسه بعد اقل من عشر سنين. فحذار، لان فكرة العيش المشترك تتراجع بشكل دراماتيكي يوماً بعد يوم. والخوف كل الخوف ان “الطلاقات” في هذا الشرق لا تكون حبية على غرار طلاق تشيكيا وسلوفاكيا، بل ان المثال العراقي هو النموذج الاقرب الينا.