#adsense

“على صوص ونقطة” !

حجم الخط

“على صوص ونقطة” !

راجح الخوري  

   
أذاً أهلا بكم في جمهورية “الفراغ المستطير”. فلقد كان واضحا منذ زمن بعيد ان الشرخ الذي اخذ يضرب الكيان اللبناني على وقع صراع الاستراتيجيات في المنطقة وعليها، انما هو من النوع البنيوي لا من حواضر المماحكات السياسية الداخلية.


لم يكن الاعلان الايراني عن ضرورة الحاق الهزيمة بالاميركيين في لبنان والرد الاميركي بأن لبنان هو جبهة اعتدال في وجه التطرف – لم يكن هذا اكثر من مقدمة بسيطة عن الاتجاهات القاتلة التي كنا نقف عندها، ويبدو اننا دخلنا الآن الى نفقها المجهول والاسود بعيون مفتوحة !


الآن لم يعد كافيا الحديث عن “فخامة الفراغ”، اولا لأن هذا الفراغ كان قائما لا بل متراكما منذ التمديد للرئيس اميل لحود.
وثانيا، لاننا اصبحنا الآن في الفراغ اللامتناهي الذي قد يجعل قصر بعبدا مثلا قلعة ارنون او المسيلحة، باعتبار ان الاستحقاق خطفه الفراغ ولم يخطفه لا الرئيس نبيه بري ولا استعراضية برنار كوشنير الفارغة من كل حنكة ديبلوماسية!
ربما لم يعد كافيا ايضا الحديث عن “فخامة الفراغ” وقد اصبحنا في “جمهورية الفراغ”. فاذا كان الشيخ نعيم قاسم يتحدث عن الفراغ المزدوج في الرئاسة وفي الحكومة، ففي امكان اي لبناني ان يضيف قائمة طويلة من الفراغات الاخرى: الفراغ في مجلس النواب ايضا الذي صار مثل سجن القلعة حيث ينام الدستور مكبلا بأصفاد الاجتهادات ووجهات النظر.
ماذا عن الفراغ في المسؤولية، والفراغ في الرجال، والفراغ في الحس الوطني، والفراغ في الاخلاص، والفراغ في الاخلاق، والفراغ في الحكمة، والفراغ في المعرفة، والفراغ في ادراك الاخطار التي تهدد مصير هذا البلد المتعوس؟

 

نعم، لقد دخلنا نفق الفراغ المستطير حيث يمكن ان تعشش الفتن، وتولد الصدامات ونعود الى الحروب الاهلية لا سمح الله. ولكن الله جعل لنا عقولا وقلوبا، فلا عَقِلنا ولا يرفّ لنا جفن ونحن نندفع نحو الهاوية تذرونا رياح الصراعات والمصالح الخارجية، وقد صار لها الآن بورصة جديدة في أنابوليس التي تشهد اليوم افتتاح مؤتمر يولد جهيض الفشل والتفاهة، فلا يخدم المنطقة وقضية السلام في شيء بل يحاول تبييض الصورة البشعة لجورج بوش داخل اميركا. وبرغم كل هذا فإن “المبادلات” السياسية التي سبقته وقد تتم في خلاله، وخصوصا على خط دمشق – واشنطن، يمكن ان تجعل من لبنان موضع مقايضة او مجرد كسور لتسوية الحسابات الاقليمية على ما جرى بُعيد مؤتمر كمب ديفيد، حيث كانت الحرب  ساترا دمويا لذلك الاتفاق!


لقد سقطت كل الفرامل والضوابط:


سقط عنصر الضغط الذي كان يتمثل بضرورة انجاز الاستحقاق في موعده الدستوري. سقط الاهتمام العربي والدولي بمنع “اولئك المجانين” في لبنان من العودة الى الحروب والصراعات، بعدما طفح كيل العالم منا وقد كان الاستحقاق موضع استنفار كوني على امتداد شهرين واكثر، ولكننا اكدنا بجدارة اننا انتحاريون نقطع شرايين لبنان ونشرب من دمه ونتلذذ.
ايضا تمت تنحية لائحة بكركي ووضعت على الرف في الرابية حيث أعلن الجنرال ميشال عون صراحة: الامر لي، انا البطريرك السياسي للمسيحيين.


وماذا يبقى للكاردينال مار نصرالله بطرس صفير غير البخور والقداديس فحسب، وان كان قد قال كلاما جوهريا جدا في عظة الاحد:
“إن تبوؤ المراكز العالية ما كان يوما ارضا للانانية والمجد الباطل بل لخدمة الشعب”!!

 

وماذا بعد؟
عندما قال الشيخ نعيم قاسم: “مهما حاولوا ومهما سوّفوا اصبح الحل معروفا. الحل هو التوافق ونقطة الارتكاز هي النائب العماد ميشال عون”، كان عون قد كسّر زجاج بكركي والكثيرين من المسيحيين ومعظم السنّة والدروز. فكيف يمكن ان يكون نقطة ارتكاز الوفاق؟ ان الامر هنا اكثر حساسية من حكاية “على صوص ونقطة”؟
في اي حال، اهلا بكم في النفق الاسود الطويل جداً جداً جداً!

المصدر:
النهار

خبر عاجل