#dfp #adsense

الطائف» والعرف الجديد والمسيحيون

حجم الخط

الطائف والعرف الجديد والمسيحيون

عبدالله اسكندر 

 

الأيام الاولى من فراغ سدة الرئاسة في لبنان تمر مثل غيرها من الايام التي سبقت انتهاء الولاية السابقة. وما دام الشر المستطير لم يحصل بعد، ويحاول الجميع تفاديه، يصبح التساؤل مشروعا عن معنى هذا «التنظيم» للفراغ الرئاسي. خصوصا تعميم فكرة التعايش مع شغور المنصب الدستوري الرفيع. والأخطر من ذلك، ومع افتراض الوصول سريعا الى انتخاب رئيس جديد، تكرس هذه التجربة «عرفا»، ينهي معنى الانتخاب الرئاسي ليصبح تعيينا، بغض النظر عن آلية هذا التعيين. فكما في هذه الايام التي لم تتفق فيها الاطراف على مرشح واحد، فتعطل الانتخاب نتيجة الفيتوات، سيكون في المستقبل من يعترض على المرشحين، ويفرض فيتو عليهم، ليقع البلد مرة أخرى في الدوامة نفسها والفراغ الرئاسي، عملا بهذا «العرف» الجديد الذي يضاف بدوره الى «اعراف» أخرى تعقد الحياة السياسية بدل تسهيلها. وليصبح موعد انتخاب رئيس جديد هما كبيرا وتهديدا للدولة والوطن، بدل ان يكون انتقالا الى مرحلة جديدة، وحلولا للأزمات.

 

من جهة أخرى، يطرح تساؤل آخر عن كون هذا «الفراغ» في لبنان لا يصيب إلا المنصب الرئاسي، وليس رؤوس مؤسسات أخرى. علما ان رئاسة المجلس النيابي ورئاسة الحكومة تستمدان شرعيتهما، مثل رئاسة الجمهورية، من مصدر واحد هو نواب الأمة. يتفق هؤلاء النواب على انتخاب رئيس مجلسهم بسلاسة، ويختارون رئيس مجلس الوزراء، عبر الاستشارات الملزمة، بسلاسة ايضا. وعندما يأتي دور رئيس الجمهورية ينحون الى تفضيل «الفراغ» الرئاسي على ممارسة واجبهم الانتخابي، لتصبح المشكلة تتعلق، موضوعيا، بالممثل الأرفع للمسيحيين، بعدما ثبت اتفاق الطائف توزيع المناصب العليا بين الطوائف.

 

صحيح ان الدستور أعطى مجلس الوزراء، مجتمعا، صلاحيات الرئيس بالوكالة، ليحل مشكلة الفراغ الدستوري. وصحيح ان القيادات السنية، التي تتولى رئاسة الحكومة، جهدت في إعطاء كل التطمينات للبطريرك الماروني صفير بالنسبة الى مقام رئاسة الجمهورية. رغم كل ذلك، قد لا يكون سهلا على المسيحيين ان يستخلصوا ان المعايير ذاتها تطبق على معنى الشراكة في الوطن، ما قد يثير اسئلة وجودية عن معنى هذه الشراكة، وبما يتجاوز الأزمة السياسية الراهنة التي تكرس «العرف» الذي ينال من هذه الشراكة.

 

الآلية التي أوصلت الى الفراغ الرئاسي معروفة. لقد جرى تصوير ضمانة الانتخاب بأنها لائحة البطريرك. ورغم ذلك لم تثمر هذه اللائحة. وقد يكون ذلك مفهوما سياسيا. لكن ثمة جهدا بذل لنقل الوضع من كون اللائحة هي الضمانة الى مسؤولية البطريرك عن فشل هذه اللائحة. وفي موازاة ذلك، ثمة من يعمل على إبقاء العقدة بين المسيحيين بتشجيع الاعتراض الكبير الذي يتولاه احد زعمائهم الجنرال ميشال عون. ولتصبح الأزمة مسيحية – مسيحية، ولتصبح كل المقدمات التي أدت الى هذا الواقع وكأنها لم تكن.

 

لم تعد الحدود واضحة بين ضرورات إعلان العيش المشترك وبين التأزم المسيحي – المسيحي. وهنا المأزق الكبير الذي أوصل الى الوضع الراهن. المفترض ان يحكم اتفاق الطائف هذا العيش. لكن، وفي غضون إدارة الفراغ الرئاسي، بات الحديث يصل الى التساؤل عن عجز هذا الاتفاق عن إيجاد حل للأزمة. فالجنرال عون الذي يلقى المزيد من التشجيع للاستمرار في ادعاء تمثيل «المرجعية» المسيحية، لم يقتنع يوما بهذا الاتفاق. وما يقوم ويصرح به حاليا يضعه خارج هذا الاتفاق، وفي مواجهة جميع المسيحيين الآخرين، سياسيين ورجال دين، الذين اعتبروا ان اتفاق الطائف هو الصيغة الملائمة للعيش المشترك. في المقابل لم تعلن الشيعية السياسية رفضها للاتفاق، وإن كان في سلوكها السياسي السابق والراهن ما يتعارض معه. لكن قوى كثيرة على أطرافها لم تعد تتردد في الحديث عن ضرورة السعي الى صيغة جديدة تتجاوزه. ومن هنا، ربما، هذه المحبة المستحدثة للجنرال عون، ما دام يتولى بنفسه هذا العمل.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل