حال الرعية
سمير عطاالله
خلال اسابيع قليلة حصلت في باكستان احداث متنافية لا سابقة لها في المقايضات السياسية المألوفة: حاول نواز شريف المنفي العودة فاعتقل وأُعيد. وعادت بنازير بوتو المبعدة فاستُقبلت بقنبلة فجرت موكبها واوقعت نحو 150 قتيلا. وحاولت الاتفاق مع الجنرال برويز مشرف فرفض ثم انصاع. ثم ذهب الى السعودية وطلب عودة نواز شريف لكي يقيم نوعا من التوازن مع بنازير بوتو والبازار مستمر وله عنوان واحد: السلطة، وتقاسم السلطة، والبقاء في السلطة، والعودة الى السلطة.
أُبعد نواز شريف وبوتو بتهمة واحدة هي الفساد الموصوف. واتفق معهما الجنرال الذي انقلب عليهما ثم ابعدهما، من دون العودة الى القضاء في ملفيهما. وحصلت مقايضة فاقعة امام عيون العالم وفوق ظهر باكستان. مثل هذا الانحطاط السياسي كان في الماضي اقل علانية. لكن العالم الثالث خلع آخر طبقة من طبقات القناع الديموقراطي ولم تعد تهمه، او تعنيه، صورة التوحش في سبيل القبض على السلطة.
وفي محاذاة المثال الباكستاني، ظل النموذج اللبناني ينهار حتى سقط. ففي الدرجة الاولى قرر اللبنانيون ان الديموقراطية “توافقية” وهذا الغاء لحق الخيار وحق الاقتراع ومعنى التنافس او التناوب. وليس صحيحا على الاطلاق ان وجود اكثرية واقلية امر غير ميثاقي. لان الميثاق والدستور والديموقراطية تعني انتظار التناوب، وتعني ان للمواطن حقه في ان يختار، في كل انتخابات، من يشاء، بحرية مطلقة ووعي كامل.
والمطالبون بالديموقراطية “التوافقية” اغلقوا مجلس النواب ومنعوا ممثلي الاكثرية من دخوله، وعلقوا الدستور ومنعوا العمل به. وهو امر لا سابقة له في اي مكان. ثم انحدرت الديموقراطية وهانت عندما اصر اللبنانيون وممثلو الدول الغربية على ان يتولى البطريرك صفير تسمية مرشحيه لرئاسة الجمهورية: بأي صفة يفعل ذلك؟ هل الرئاسة للطائفة ام للجمهورية؟
وهل رئاسة الدولة ابرشية للموارنة ام قصر للشعب؟ وبعدما ارغم البطريرك على وضع اللائحة، لم يُعمل بهذه اللائحة ثم ألغيت.
وانخفضت الديموقراطية انخفاضها النهائي عندما قرر النائب ميشال عون ان تسمية الرئيس وليس المرشح، حق مقسوم بينه وبين النائب سعد الحريري، بعدما كان قد اقترح في الماضي طرح انتخابات الرئاسة على الاقتراع الشعبي. والاقتراع الشعبي المباشر له نموذجان: الاميركي او الفرنسي حيث يفوز كينيدي او بوش بأقلية هزيلة، والنموذج العراقي حيث كان يفوز صدام حسين بمئة في المئة من الاصوات، مما يعني ان الواقعين في غيبوبة والقاطنين في المصحات العقلية والمرضى والسجناء، شاركوا في التصويت وما تخلفوا.
وانخفضت الديموقراطية انخفاضها النهائي عندما قرر النائب ميشال عون ان تسمية الرئيس وليس المرشح، حق مقسوم بينه وبين النائب سعد الحريري، بعدما كان قد اقترح في الماضي طرح انتخابات الرئاسة على الاقتراع الشعبي. والاقتراع الشعبي المباشر له نموذجان: الاميركي او الفرنسي حيث يفوز كينيدي او بوش بأقلية هزيلة، والنموذج العراقي حيث كان يفوز صدام حسين بمئة في المئة من الاصوات، مما يعني ان الواقعين في غيبوبة والقاطنين في المصحات العقلية والمرضى والسجناء، شاركوا في التصويت وما تخلفوا.
وهانت الديموقراطية مرة اخرى عندما اقدم الرجل الذي رفع يده وصوته عاليا في اداء اليمين الدستورية، على اعلان حال الطوارئ قبل ساعتين من تسليم الجمهورية الى المجهول. وهذا اجراء لم يلجأ اليه عندما غرق لبنان في دماء الشهداء، او عندما وقف اللبنانيون بعضهم في مواجهة البعض في وسط بيروت بالملايين. ولا طبعا عندما افرغ الوسط من اهله، ومن برلمانه، ومن دكاكينه، ومن فرح لبنان.
الصراع الباكستاني على السلطة والصراع اللبناني على التسلط، حصلا خارج اطار اي تقليد ديموقراطي او عرف دستوري. وفي معرض البحث عن “رئيس توافقي” لم تبق شتيمة او فظاظة او اهانة الا وردمت فوق قبر التوافق. والهطل ما توقف. ولن…
حمت باكستان من الانفجار الاكبر القنبلة النووية. وهرع العالم، وخصوصا اميركا، لاقناع برويز مشرف المستولي على السلطة والقابض عليها، بخلع بزته العسكرية وعقد صفقة مع خصومه، لان الانهيار قد يضع القنبلة النووية في ايدي “القاعدة” ورفاق الشيخ المجاهد اسامة بن لادن. وهرع العالم الى ضبط ايقاع الصراع في لبنان لان انفجاره سوف يكون نوويا وأشعته السامة ستكون مثل تشرنوبيل، سوف تتسرب الى كل مكان. اما لبنان نفسه وفي حد ذاته فلا يعني احدا، ولا يهم احدا، لان العالم اجمع قد سئم هذا التدلل فوق جثة وطن ميت. ولان العالم مات من الضحك وهو يرى اللبنانيين يتقاتلون على معاني الدستور وتفسيره وهم من دون مجلس نواب ومجلس دستوري. وعندما كان لديهم مجلس دستوري كان يحكم بينهم استنادا الى الاوضاع الاقليمية والدولية وحرب العراق. واموال “النفط في مقابل الغذاء”!
يحسن باللبنانيين عوض البحث في مواد الدستور ان يبحثوا عن سياسيين يشفقون على بلدهم ويترفقون به وبشعبه ومهجريه. لقد اصبح كل لبناني مهجرا في ذاته ومرتعدا من مشاريع الانقاذ المطروحة عليه. وانا شخصيا كنت قد شعرت بشيء من الامل عندما رشح الدكتور بيار دكاش لاثنتي عشرة ساعة. لحظتها قلت في نفسي هلمي ايتها المعجزة الكبرى وحققي نفسك. وقلت ايضا، وإن بصوت خافت خوف ان تسمعني الارض فيما انا اخاطب السماء: هنيئا يا لبنان، لقد ولد لك اليوم مخلص. لكن الاحلام الكبرى لا تدوم طويلا. ثم ان مواصفات “الرئيس القوي” تنطبق على الدكتور دكاش اكثر من “الرئيس التوافقي” فاذا حدث وحلت النعمة على الجمهورية، سوف تنتقل البطريركية السياسية تلقائيا الى مرشح البطريرك بدل البطريرك نفسه.