أنابوليس ونكتة البابوية؟!
الفرد نوار
الفرد نوار
من روائع بعض الفكر السياسي النير، ما صدر عن احزاب وجماعات تابعة ومسيرة اعلنت رفضها مشاركة لبنان في مؤتمر أنابوليس، «لأنه صناعة اميركية»، وهي النغمة التقليدية التي تتصاعد دورياً وبالتنسيق من تحت الطاولة بين بعض اقطاب المعارضة، الذين يرون مشكلة الرئاسة عندنا صناعة اميركية كما ينظرون الى حالنا الاقتصادية – المالية المتدهورة كنتاج اميركي. وحدث ولا حرج عمّن يمنع انعقاد مجلس النواب.. ويمنع بالتالي التفاهم والوفاق «طالما هناك بصمات اميركية»!
هذه الاسطوانة سبق ان فعلت فعلها عندما كان يُقال عن خلاف بين رجل وزوجته انه بفعل اصابع صهيونية. كما كان زعم مماثل في حال امطرت السماء او انحبس المطر. كذلك في حال حدوث اغتيال او انفجار ام مشاحنة، من دون ان ننسى التباينات السياسية والانتخابية وتحرّكات الاحزاب وما الى كل ذلك!
اما اليوم، فإن «ردّيات اميركا» بحسب ما هو موضوع في أفواه بعض السياسيين وفي وسائل أعلامهم، تتناول دورياً وتباعاً كل ما له علاقة بواشنطن، على اساس الموقف الايراني والسوري منها ومن كل ما له علاقة ببلاد «العم سام»، حتى وإن كانت قضية سلام او حرب.. أم فيلم سينمائي من صناعة هوليوود، لمجرّد ان هناك مَن يعتقد انه يقوم بمهمة وطنية وقومية وإسلامية جبّارة!
ومن أسوأ ما قيل عن مشاركة لبنان في مؤتمر انابوليس انه لن يكون قادراً على التأثير في مجرياته، مع قناعة المعترضين بالعكس ربما، لكنهم ينفّذون ما يطلب منهم او ما يرونه صحيحاً طالما ان ايران قد رفضت المؤتمر جملة وتفصيلاً، وهذا يعني دليلاً على ان «الصناعة الاميركية ستكون ضدّ العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً»!
هذه الرتابة السياسية في التعاطي مع العالم الخارجي لم تكن يوماً لمصلحة العرب الذين جرّبوها طويلاً، بقدر ما عكست مصلحة اسرائيلية في الصميم العربي، بدليل ضياع حقوق ومناطق شاسعة جرّاء المكابرة الغبية وليس التفاعل العقلاني!
قد لا يصل مؤتمر أنابوليس الى ما يُحقّق مصلحة العرب والفلسطينيين، لكن ليس بوسع احد القول ان «كل العرب على خطأ وأن ايران وحدها ومستتبعاتها في لبنان على صواب، خصوصاً أن مشاركة لبنان تحدّدت تلقائياً من خلال ثوابت «رفض التوطين وتحرير مزارع شبعا وتخلية الاسرى اللبنانيين وترسيم الحدود، بما في ذلك وقف الانتهاكات الاسرائيلية للأجواء اللبنانية».
وفي حال كان رفض صريح من بعض اللبنانيين لهذا النوع من المشاركة في المؤتمر، لا بُدّ وأن يكون عكس هذا الكلام استمرار اسرائيل في منع عودة اللاجئين وفي احتلال مزارع شبعا وتجاهل مصير الاسرى اللبنانيين وابقاء الحدود بلا ترسيم.. مع استمرار الانتهاكات الجوية. كذلك لا بُدّ من أن يكون تصوّر سلبي مكمّل لكل ما تقدّم قد يصل الى حدّ طلب ترحيل قوة الطوارئ الدولية وإعادة احياء اجواء الحرب لما فيه مصلحة بعض الداخل وايران ايضاً وربما سورية!
المؤكد في هذا الجوّ غير الطبيعي، أن إيران مكتفية حالياً في صراعها مع الأميركيين ومع اسرائيل على خطب وكلام مرشد الثورة والرئيس محمود احمدي نجاد وبعض رجال الدين، والأمر ذاته ينطبق على ما يصدر عن القيادة السياسية والحزبية في سورية، بينما الذي يتلقّى العصي هو لبنان وشعب لبنان، الى درجة ان احداً لم يقُل ان الايرانيين تأثّروا جرّاء خصومتهم لأميركا ولإسرائيل، فيما يعرف الجميع سلبيات استمرار الهيجان في لبنان لغير مصلحة لبنان؟!
في لبنان اليوم ازمة سياسية متفاقمة يهمّ البعض ان يطبخ على نارها انتخابات رئاسة الجمهورية وتشكيل حكومة ومشروع اعتصامات وتظاهرات، من دون ان ينسى هؤلاء عناوين تهميش المسيحيين والوفاق والمشاركة الدستورية والميثاقية، الى درجة اقتناع هؤلاء بسلامة اقفال مجلس النواب ومنع اكتمال النصاب الدستوري – القانوني. وقد اكمل اصحاب هذه النظريات الممنهجة اجتهاداتهم بتوزيع المناصب بمزاجية قلّ نظيرها.
حزب الله مثلاً يقول انه مع ما يُقرّره حليفه ميشال عون. والأخير يقول انه مع ما يقبل به حزب الله. وهذه الدوّامة تطوّرت أخيراً باتّجاه اجراء عون مشاورات مع شتات التنظيمات والاحزاب، كأنه قد اخترع البارود، لا سيما ان اوساطه تنشط في تسويق «اخبار مؤكدة» عن تحرّكات وشيكة في الشارع، «كي لا ينعم فؤاد السنيورة بالسلطة الرئاسية»!!
من آخر نكات سياسي مُخضرم انه نصح السياسيين والروحيين المسيحيين بأن يقبلوا بميشال عون بطريركاً، «قبل ان يطوّر الاخير مساعيه باتجاه الوصول الى الرتبة البابوية»!
فهل تتحوّل الرابية الى محجّة، ام ان المقصود من نكتة السياسي المخضرم هو «دير الصليب»، حيث لأحدهم أكثر من ملف هناك؟!