الجنرال وحروب الإلغاء المتبادلةاحمد جابر
تتطلب الأزمة السياسية التي تعصف بلبنان، حديثاً هادئاً، مما يخالف رغبة الزعامات الطائفية، التي اعتادت التوجه إلى كتلها المقفلة، بكلامٍ جاهز، لا يستعير تفسيره إلا من ذاته، ولا يجيد غير السير في المسالك المعينة له بدقة، حتى لو كانت نقطة الوصول… الهاوية.
قدم الجنرال مؤخراً مبادرة، فحواها انتخاب العماد لظله، ومضمونها، إذا كان متعذراً الوصول إلى منصب رئاسة الجمهورية، فلا بأس من استلام الجمهورية!!… ولأن أحداً لم يأخذ الطرح على محمل الجد، فإن طيفاً واسعاً من اللبنانيين، استشعر خطورة ثقيلة في مسلك الجنرال، الجديد ـ القديم. ببساطة عاد العماد ليخوض معركة الإلغاء الثانية، إنما هذه المرة، فوق رقعة عملياتٍ تتجاوز تلك التي كانت له في عقد الثمانينيات.
لا يسلّم العماد لمرجعية مسيحية، تتجاوز جغرافيا مكان إقامته، ولا يهادن شركاء آخرين في الوطن، يتجاوزون واقع «حيثيته المسيحية»، ولا يعترف بوقائع سياسية تقارب العقدين من الزمان، فيصر على إعادة «عقارب الساعة إلى الوراء»… هذه المرة أيضاً، يجد الجنرال من يؤازره، ولا يصادف من يقول له بالفم الملآن: «أنت تضرب في بحرٍ من المستحيلات الطائفية، في لبنان الطائفي اليوم، على كل الأصعدة».
لنقل مع القائلين، ان الجنرال عون يمثل نصف المسيحيين، ولنسأل ماذا عن نصفهم الآخر؟ ثم ماذا عن بقية اللبنانيين؟ يقودنا حساب التأييد الطائفي هذا، إلى التساؤل عن حسابات التأييد الوطني، إذ الواضح في هذا المجال، أن الجنرال لا يشكل «حيثية وطنية»، رغم تشديده على تمثيله المسيحي وتمسكه به. هذا يؤدي إلى الاستنتاج أن رئاسة الجنرال ليست وفاقية وغير ضامنة «للحل الوفاقي وفق تعبير المرشح الرئاسي نفسه»، بل إن وصوله إلى سدة الرئاسة يقتضي انقلاباً في موازين القوى الداخلية وتعديلاً في بنية التوازنات الخارجية، بما يضيف، لو حصل، تعقيداتٍ شديدة الوطأة إلى الأزمة اللبنانية العامة.
لقد عجز العماد عون عن إعادة صياغة موقعه، ولم يفلح في إعادة صناعة شخصه، «كزعيم يشارك في فتح آفاق التسوية أمام الصيغة اللبنانية»، من خلال اختيار الرؤساء والإدلاء برأي وازن في طبيعة برامجهم الرئاسية، ومن خلال تشكيل النسق الرسمي السياسي اللبناني، الذي يكفل سيرورة هادئة للنصاب الوطني ويحصن صيرورة تحولاته الهادئة… بديلاً من كل ذلك، تمسك الجنرال بعبارة «الأمر لي» وبدا أنه يخاطب تجمع كتائب عسكرية، أكثر مما يتوجه إلى تكتلاتٍ أهلية، لكل منها «ألويتها الشعبية الضاربة»!!
لم يكن سلوك الجنرال السياسي ليأخذ كل هذا الحيز من الاهتمام، لولا أنه يقع على لحظة لبنانية سياسية شديدة الخطورة، تتطلب أكثر ما تتطلب، توسيع المساحة الوفاقية المشتركة بين اللبنانيين، وبذل الجهد الحكيم الكافي، لاستيعاب الآثار السلبية الخطرة الوافدة من الخارج، طالما أنه من غير الممكن اجتناب مفاعيلها بالكامل. في هذا المجال لا يؤدي خطاب الجنرال السياسي، إلا إلى زيادة الفرز وتوسيع الشقاق، في «المربع المسيحي» وفي سائر المربعات الطائفية اللبنانية الأخرى. هذه الدعوة إلى خطاب سياسي عاقل، تطال كل الطيف الطائفي اللبناني وإن اتخذت من المثال العوني منطلقاً لها، إذ ان الجنرال، ليس «العاشق الوحيد» في ميدان إشعال النيران الخطابية. وما يجعل الدعوة ملحاحة هو الواقع اللبناني الذي يشير إلى أن الأزمة مديدة وإلى أن الفراغ قد يطول، وإلى أن الهدوء المتواطأ عليه، قد لا يكون الخيار الوحيد المتبقي للبنانيين. إعادة تظهير الصعوبات التي تثقل كاهل الوضع اللبناني، تفيد في الإشارة إلى ضرورة الدقة في المسلك، والخطاب السياسيين، وتنبه إلى حقيقة الخطر الذي يحدق بالمصير اللبناني، وتؤكد على أهمية إدراك «اللامبالاة» الدولية والإقليمية حيال هذا المصير… طالما أن «الكيان» يشكل ورقة من أوراق المساومات الخارجية، وساحة من ساحات نزاعاتها… وسط غفلة اللبنانيين، الساعين، فرادى، إلى تحقيق نوع من الغلبة الداخلية المستحيلة.
للتذكير، لقد فقدت المارونية السياسية هيمنتها، «المقبولة والجامعة»، عندما فقدت مقومات تجديدها، ولا يبـدو الأفق مفتوحاً، لأسباب تاريخية وأهلية داخلية، لاستعادتها، مما يجعل محاولة الجنرال، لإحياء «الميت» محاولة خارج السياق السياسي اللبناني الواقعي المقبول.
للتذكير أيضاً، أن المجال ليس مفتوحاً أمام صعود هيمنة طائفية بديلة، فهذا الصعود، كما تقدم وليد سياق تاريخي، لا يكفي لملئه، ضجيج الخطب ولا الحشد الأهلي، ولا «قرقعة السلاح»… يزيد الآنف، من صعوبات توليد تسوية مقبولة، في غياب «الكتلة الداخلية» الجامعة، وفي ظل انكفاء القوى المؤهلة لبناء هذه الكتلة وقيادتها…
إزاء ذلك، ماذا ننتظر؟ ديكتاتورية أهلية ذات قاعدة اجتماعية ضيقة؟ أم تشظياً منتظماً تحت راية الوحدة العامة الموهومة؟ أم دوراناً ضمن أروقة الخطب الطائفية المستحيلة؟ قد تكون الإجابة المرجحة، أن كل الاحتمالات ممكنة، طالما أن الطوائف تخوض بالاستناد إلى الخارج حروب إلغائها المتبادلة.