تحالف “حزب الله” ـ عون يعاكسُ الرياح الإقليمية
ويختلف مع برّي ويواجه بكركي ولا “ينتبه” إلى دور الجيش
ويختلف مع برّي ويواجه بكركي ولا “ينتبه” إلى دور الجيش
أربعُ شرعيّات تتعاون لإنهاء الفراغ الرئاسي
نصير الأسعد
في قراءة متأنيّة للخارطة السياسية اللبنانية كما “تجلّت” منذ 22 تشرين الثاني الجاري عشيّة جلاء إميل لحود عن قصر بعبدا وعشيّة اليوم الأخير من المهلة الدستورية “الطبيعيّة” لإنتخاب الرئيس وحتّى اليوم، يتبيّن أنّ “المعارضة” معارضتان. تحالف “حزب الله” والجنرال ميشال عون واحدة. والرئيس نبيه برّي ثانية.
“حزب الله” وعون.. ولحود
تحالفُ “حزب الله” ـ عون كان ملحّاً على لحود كي يتّخذ خطوة أو خطوات قبل مغادرته القصر الجمهوري. الأمين العام لـ”حزب الله” السيّد حسن نصرالله ناشده في هذا الاتجاه. والجنرال كان ينتظر منه إجراء في اللحظة الأخيرة.
في اليوم ما قبل الأخير من المهلة الدستورية “الطبيعية” أطلّ الجنرال بـ”مبادرة” لم يكن خافياً للحظة أنّها منسّقة حرفيّاً مع “حزب الله”. لم تحتجْ هذه “المبادرة” من 14 آذار سوى إلى قليل من الوقت لرفضها. ذلك ليس فقط لأنّها مؤسسة على فرضيّة أنّ توازن القوى السياسية مائلٌ لمصلحة معارضة “حزب الله” وعون وهذا ما يبرز في تطلّب “المبادرة” لرئيس موالٍ للحزب ولحكومة شبه مناصفة بين الأكثرية والمعارضة، بل لأنّ هذه “المبادرة” تحاول التأسيس لتوازنٍ لاغٍ لاتفاق الطائف ـ ودستوره ـ وتحاول التأسيس لإعمال “منطق” اليتوات ضمن الصيغة، وتحاول التأسيس لصيغة أخرى.
بين مناشدة لحود الإنقلاب على الدستور في اليوم الأخير من ولايته “السوداء” من ناحية و”مبادرة” عون من ناحية ثانية، يتأكد أكثر فأكثر أنّ تحالف “حزب الله” ـ الجنرال يمثّل اصطفافاً ضدّ الطائف. لا بل إنّ هذا الإلتقاء الطبيعي ضدّ الطائف، تظلّله ممارسةٌ أدّت إلى الفراغ في الرئاسة بما يخلق مناخاً لنسف الصيغة والتمهيد لصيغة أخرى.
الثنائي ضدّ الطائف “يكسر” مع برّي
تجاه الرئيس بري، اتخذ ثنائي “حزب الله” ـ عون مواقف سلبية حادة. نصرالله في خطابه الأخير رفع غطاءه عن “مفاوضات التوافق” التي كانت جارية بين برّي ممثلاً لـ”المعارضة” ورئيس “تيار المستقبل” سعد الحريري ممثلاً للأكثرية. وقال بشكل واضح إنّ التفويض المعطى لبري ليس قائماً “فعلياً”. وبعد ذلك، نسّق الحزب مع عون لنسف المبادرة الفرنسية بآليتها المستندة إلى دور بكركي ولائحة البطريرك. وقبل يومين، بعد شغور الرئاسة، أعلن نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم أنّ “عون هو ركيزة الحلّ” متجاوزاً دور المجلس النيابي ورئيسه.. منصّباً نفسه وليّاً على المسيحيين. أمّا الجنرال فهاجم دور بري في “مفاوضات التوافق” ما استدعى ردّاً سريعاً من عضو كتلته النائب علي حسن خليل.
برّي و”س.س.” بديلة
من جهته، كان على الرئيس بري أن يتموضع من جديد. صحيحٌ أنّه ربط حصول الإنتخاب بـ”التوافق” المسبق. وصحيحٌ أنّه حاول التمسّك بمرشّح واحد وحيد. بيد أنّه لم يُسجّل على نفسه أنّه دعا إميل لحود إلى مخالفة الدستور. وأعلن سلفاً رفضه لأي خطوة تقسيمية على مستوى السلطة والدولة. ووضع نفسه مسبقاً خارج أي إنقلاب على الدستور. وإلى ذلك تُضاف حقيقة أنّ بري يقف بجانب اتفاق الطائف فيما “المثالثة” بدلاً من “المناصفة” أقرب “النظريات” إلى “حزب الله” و”الفدرلة” أقربُها إلى عون.
ثم إنّ “الحسابات” لدى بري مختلفة تماماً. وفي حساباته الراهنة أمران رئيسيّان.
الأول سياسي. فبرّي الذي حمل منذ وقت مبكّر نظريّة “س.س.” للحلّ في لبنان، أي المصالحة السعودية ـ السورية، يستطيع أن يلمس من التطوّرات الجارية إقليمياً أنّ ثمّة صيغة بديلة من “س.س.” يمكن أن تؤدي الغرض نفسه. والصيغة البديلة هنا هي العلاقة بين “النظام العربي” وسوريا، أي ليس العلاقة المباشرة بين الرياض ودمشق. صحيحٌ أنّ العلاقة بين “النظام العربي” وسوريا لا تزال مشروطة بـ”سلوك” النظام السوري، بيد أنّ “البدايات” تؤشّر إلى تطوّرات محتملة.
…و”شيعة الدولة”
أمّا الثاني فسياسي عام وخاص في آن. العام هو أنّ بري كرئيس للمجلس لا يمكنه مسايرة الفراغ إلى النهاية. فهو أعطى لـ”المعارضة” أقصى ما يستطيع ووصل بها ومعها إلى الفراغ، لكنّه لا يستطيع الإجازة لنفسه المضيّ فيه. أمّا الخاص فهو أنّ بري إذا لم يُنتخب رئيسٌ للجمهورية، يكون قد ساهم في تدمير الهيكل، هيكل الدولة، ولا مكان له خارج الدولة والنظام السياسي، وهو الذي يمثّل “شيعة الدولة” ويمثّل الموقع الشيعي في الشراكة الوطنية.
خسائر صافية لحزب الله
من هذه القراءة المتأنية التي تثبت أن المعارضة معارضتان، يتبيّن أن “حزب الله” حصد في الأيام القليلة الماضية خسائر صافية.
خسر “رئاسة الجمهورية” بانتهاء عهد إميل لحود. وخسر قدرة التهديد بـ”الشارع” في ظلّ قرار قيادة الجيش الإمساك بالأمن “بتكليف من الإرادة الوطنية” كما يحبّ العماد ميشال سليمان أن يقول.
الشرعيات الأربع
غير أن الأهم هو ما يخسره ـ والجنرال ـ في هذه الأيام. فثمة أربع شرعيات يواجهها تحالف “حزب الله” ـ عون. شرعية المجلس النيابي بما هو الموقع الدستوري الأمّ. وشرعية الجيش المحافظ على السلم الأهلي. وشرعية بكركي بما هي المرجعية المسيحية التي لها الكلمة الفاصلة في أمر يتّصل بعمق بمسألة ميثاقية ـ كيانية بامتياز. وشرعية الأكثرية بما هي صاحبة حقّ دستوري كونها أكثرية.
ولا مبالغة في القول أن هذه الشرعيات الأربع هي التي ستتعاون في الأيام المقبلة لإنجاز الاستحقاق الرئاسي منعاً لإطالة أمد الفراغ في سدّة الرئاسة. ولا شك أنه عندما يكون هذا هو الواقع، أي عندما تغدو التسوية الجدية للأزمة ممكنة، لن يبقى كل أعضاء “تكتّل التغيير والإصلاح” في “أمكنتهم” الحالية.
النائب ميشال المر كان “نموذجاً” واضحاً في هذا الاتجاه: نمشي مع الجنرال وندعمه رئيساً لكن إذا كانت حظوظه معدومة، فلن ندمّر الجمهورية من أجله واستمرار الفراغ في الرئاسة مرفوض. وبكلام آخر، إذا كان “حزب الله” يعتمد في معارضته على عون، فهو لن ينجح لأن الجنرال ـ المسيحي ـ أعجز من أن يقدّم تغطية مسيحيّة للحزب والفراغ.. وللانقلاب على الطائف.
هذا كله يعني أن المفترض أن يُعيد “حزب الله” النظر في حساباته. وأن يعيد النظر في حساباته يعني أن يقبل الانخراط في تسوية لبنانية في ظل التطورات الإقليمية الجارية.
لن يتمّ انتخاب الرئيس الجديد غداً. لكن في الأفق ملامح انتخاب في الأيام المقبلة.