#dfp #adsense

صدام الأوهام

حجم الخط

صدام الأوهام

ناصيف حتي

 

إذا كان هناك من اتفاق أميركي ـ إيراني فهو بشأن مفهوم المفتاح في التعامل مع أزمات المنطقة. إيران تعتبر، كما يقول هاشمي رفسنجاني “ان مفتاح أمن الشرق الأوسط في يدها”، فيما المقاربة الاميركية لقضايا المنطقة تقوم على مسلمة مفادها ان الملف النووي الايراني الذي صار عنوان الصراع الأساسي في المنطقة، هو مفتاح التعاطي مع تحديد شروط الدور الايراني المقبول اميركيا، وهو مفتاح التعاطي مع الأزمات الاقليمية في منطقة الشرق الأوسط .


أزمة النووي حجبت إلى درجة كبيرة الأزمة العراقية على الرغم من تفاقمها وخطفت الضوء منها. كما ان الكثير من المراقبين يعتبرون “أزمة النووي” بمثابة المحرك الأساسي شبه الخفي من المنظور الاميركي وراء الدعوة إلى اجتماع أنابوليس ووراء دبلوماسية أنابوليس بشكل عام. “أزمة النووي” أيضاً تحدث إرباكاً عند البعض العربي المنشغل والقلق من هذا الملف والذي لا يستطيع في انشغاله وقلقه وإرباكاته عزله عن المعالجة الأوسع التي تشمل السلاح النووي الاسرائيلي.


تتضح المفارقات حول نظرية المفتاح ويدل عليها تقرير محمد البرادعي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية. كل أخذ ما يناسبه من تقرير البرادعي مجتزئاً التقرير ليوظفه في لعبة المفتاح في المواجهة الشرق أوسطية. واشنطن انتقدت البرادعي حينما تحدث عن “تقدم ملموس” في تعاون إيران مع وكالته، باعتبار ان واشنطن تريد طرح الملف النووي الايراني كلياً في مجلس الأمن كملف سياسي أمني وترفض التعامل معه كملف “فني” في اطار الوكالة مشككة في “حيادية” واحترافية وبالتالي مصداقية البرادعي. في حين ان إيران ترى في الكلام ذاته للبرادعي شهادة على تعاونها وعلى ضرورة ابقاء هذا الملف في اطاره الفني البحت، أي في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع ان البرادعي يطالب بالمزيد من المعرفة والاطلاع على البرنامج النووي الايراني للتحقق من النشاطات النووية غير المعلنة.


تبدو في الأفق إشارات متناقضة ولو ان السلبي منها أكثر من الايجابي وزناً وحدة في التفاعل الصدامي بين واشنطن وطهران: من الايجابي، الاستعداد لجولة من المحادثات حول العراق، بروز خط في الإدارة الاميركية تمثله وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس يركز على الديبلوماسية وليس على المواجهة في الملف الايراني، ولو انه ما زال الخط الأضعف والمرتبك لأنه مقيد حتى الآن في ما يمكن الذهاب إليه مما يضعف من مصداقيته مقارنة مع الخط الصدامي الذي يمثله ديك تشيني، نائب الرئيس، تصريحات للرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد حول استعداده للبحث مع دول عربية في اقتراح تخصيب اليورانيوم خارج المنطقة من خلال تشكيل هيئة دولية لهذا الأمر ملاقياً بذلك ومتجاوباً ولو بشكل اولي مع اقتراح دول مجلس التعاون الخليجي، مقابل هذه الرسائل الإيجابية يبقى الخطاب السياسي والإعلامي تحريضياً وتعبوياً عند الطرفين وتبقى المواجهة قائمة في لبنان وفلسطين، إلى جانب المواجهة الهادئة والمقيدة دائماً بالمصالح المشتركة في العراق، و”عرض العضلات” العسكرية وإدخال المنطقة في سباق تسلح بمثابة إشارات حول احتدام الصراع القائم. عشية اجتماع الأسبوع الثاني من كانون الأول (ديسمبر) بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية للبحث في ما يعتبره الطرفان ولو بأشكال مختلفة قضايا عالقة في الملف النووي وفي ظل المقترحات المضادة والتهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، تبدو هناك أربعة سيناريوات ممكنة:


ـ سيناريو تصعيد العقوبات نوعاً وكماً في إطار مجلس الأمن، وهو سيناريو يلاقي صعوبات بسبب التحفظات الصينية والروسية. ويعترف الغربيون أنه غير ذي فعالية وأنه بطيء في خطواته ونتائجه مع أنه، كما يعترفون، الأكثر شرعية على الصعيد الدولي ولكن الأقل فعالية بسبب تضارب الرؤى والمصالح بين القوى الغربية الثلاث من جهة والقوتين “الشرقيتين” من جهة أخرى، الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.


ـ سيناريو عقوبات غربية خارج إطار مجلس الأمن قد لا تحظى بإجماع أوروبي ولكنها محررة من قيود الإجماع بحيث تكون أكثر حزماً ووجعاً وتأثيراً ولكنها في الوقت ذاته قد تعطل العملية الديبلوماسية شبه المعطلة حالياً من حيث نتائجها بين المتشددين الغربيين وإيران.


ـ سيناريو ضربات عسكرية أميركية أو إسرائيلية محدودة قد تحصل في الربيع القادم وبأي حال قبل نهاية ولاية الرئيس بوش، وإذ يدرك أصحابها أنها في أفضل الأحوال ستؤخر لفترة سنتين أو ثلاث البرنامج النووي الإيراني لكنها ستشكل قطيعة شبه نهائية مع العملية الديبلوماسية إن لم تقض على هذه العملية لفترة طويلة وتجعل المنطقة في حالة مواجهة شاملة لا تعرف نتائجها ولا أفقها الزمني.


ـ سيناريو المقاربة الديبلوماسية الشاملة وتبدو مستبعدة حالياً بسبب التشدّد الحاصل عند كل من الطرفين والذي يوظفه الطرف الآخر دعماً لخطه التشددي لكنه يبقى الخيار الأكثر واقعية على الرغم من تعقيداته من حيث قيامه على مقاربة شاملة لكل الملفات التي تهم الطرفين في الصراع في الشرق الأوسط وفي إطار مقاربة متعددة الأطراف من حيث المنخرطون فيها تقوم على مسار تدريجي تطبيعي تعترضه من دون شك عقبات وحواجز بعضها بسبب الإرث الثقيل للمواقف والسلوكيات وبعضها بسبب وجود قوى في كل طرف تعارض ذلك، لكن أهميتها وواقعيتها أنها تدرج الملف النووي في إطار مقاربة تتناول كل الملفات وديبلوماسية الربط فيما بين هذه الملفات مما يسهل تسويته.


الخوف من أن الانسداد في الخيار الأول، والتصعيد الذي يحمله الخيار الثاني، وما قد يعتبره البعض مثالياً في الخيار الرابع وتعقيدات حصوله قد يدفع باتجاه سيناريو الصدام الذي قد يشجعه ما أسميه صدام الأوهام أو القراءة المزدوجة الخاطئة: قراءة أميركية تعتبر أن الضربة المحدودة ستحمل نتائج سياسية تغييرية في إيران ولو أنها لن تكون حاسمة عسكرياً، وقراءة إيرانية تعتبر أن غرق واشنطن في مختلف الملفات الأخرى في المنطقة لن يسمح لها باللجوء إلى الخيار العسكري مما يشجع القيادة الإيرانية على المضي في التصعيد وتغييب المرونة الضرورية والسلوكيات المطمئنة المطلوبة في ملفات أساسية عديدة تجاه جيرانها العرب.


صدام الأوهام لن يؤدي إلا إلى مزيد من الحروب ذات الأنواع المختلفة في المنطقة ويدفع الشرق الأوسط من جديد إلى طريق المجهول مسقطاً أيضاً خيار المقاربة الشاملة للأزمة الغربية ـ الإيرانية ولأزمات المنطقة التي تزداد اشتعالاً في كنفها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل