تظاهرة في نفس يعقوب
نبيلة غصين
نبيلة غصين
العنوان هو تظاهرة ضد غلاء المعيشة والوضع الاقتصادي المتدهور. حسناً، ولكن ما الجديد؟ تفاجئني هذه الحماسة الزائدة والمفاجئة عند فئات من اللبنانيين ، وكأن لبنان قبل العام 2005 قد عاد سويسرا الشرق من جديد ولم يلحظ أحد، أو كأن البحبوحة المادية قد نشطت من دون اللحاق بها، فعاد التدهور الاقتصادي. كنت في اوج نشاطي السياسي عندما كانت الاحزاب اليسارية والنقابات تنظم المظاهرات والاعتصامات.
كنا نجمع انفسنا ونهرب من الثانوية في الجنوب كي نلتحق بالتظاهرة في بيروت وتلبية لنداء الواجب الوطني، وكنت أخجل اذا فاتني اي نشاط او اعتصام. كان همنا الاكبر تجميع الشباب وتأمين الحشد. أما اصعب الامور فاقناع الناس بالمشاركة مع علمنا المسبق بأن الحديث لن يجدي نفعا، ولكن لا بأس من المحاولة، حينها كنت استغرب واتساءل كيف يمكنهم ان يكونوا بهذا الخنوع، من دون اي اكتراث بهذه المطالب المحقة خاصة وانهم من الطبقة المعدومة ويشكون دائما من الوضع الاقتصادي وحالة البلد، وحين تطلب منهم المشاركة في إحدى التظاهرات المطلبية، تجدهم يتهربون وكأنهم أولاد ذوات. لم يكن يهمنا العدد فالعناوين كبيرة والحشود قليلة، كنت اشعر بأنني أطالب بحقوق كل اللبنانيين، لانظر إليهم في المنازل يهزأون من اعدادنا وحتى من مطالبنا، وبحجة ان حزبهم لم يدعو للمشاركة، فهم غير معنيين بالمسألة، وكأن لقمة عيشهم بانتظار من يدعو إلى المطالبة بها، وهي حق مكتسب. صحوة مطلبية وحماسة وطنية ظهرت فجأة بعد العام 2005 فتنبع القضايا المطلبية ويتذكر الشعب أنه جائع وأن حده الادنى لم يرتفع منذ عدة سنوات فيصبح الجميع متحمساً ومتلهفاً للمشاركة والمطالبة. فهل وصلت حدود التكاذب والتحايل أيضاً على لقمة العيش، ووصل عمق الغيبوبة إلى درجة حتى قرصة الجوع لن تؤثر فيها، سلسلة من التظاهرات والتحركات التي سوف تطلق في الايام المقبلة. كيف يستيقظون بين فترات متباعدة ومتقطعة على هذه الأمور، او ربما هذا الفراغ الرئاسي ملأ نقطة فارغة في مكان ما. هم اليوم رأس المعارضة والحزب يدعو للمشاركة. إذاً الجماهير ستنزل فهذا تكليف حزبي يجب الإلتزام به.
مما لا شك فيه أن الوضع بحاجة إلى وقفة، لا بل إلى صرخات وتظاهرات وإضرابات، لكن دينامو هذه المظاهرات اليوم ليست لقمة العيش، بل هي مطعمة بالكثير من النوايا والخلفيات السياسية، فلو لم نكن في هذه الظروف الراهنة، لكان الوضع الطبيعي البقاء في المنزل بحجة أن الوضع المعيشي ليس قضيتنا اليوم ، وسمعناها كثيراً .أما من هم فعلاً اصحاب قضية وحق، فهم من يغطي الهم وجوههم ، فيتوقون إلى تحسين أوضاعهم من كثرة المعاناة والمتاعب، تجدهم في كل مظاهرة حاملين اللافتات ولا ينتظرون دعوة من أحد. فمن يخشى الخسارة يلفه الخوف ، أما من هو معدوم فلا يهاب أحداً.
“أمشي جنب الحيط وبقول يا رب السترة ” كثيرة هي الأمثال والتي يتغنى بها الشعب المسكين، ولكن حين تمس الطائفة أو المذهب تنقلب الأية ليصبحوا “رجالك ونساءك يا زعيم بتشرب دم ” . بالأمس كانت تظاهرة مطلبية للسائقيين العموميين، وكما جرت العادة فإن 30% من المعنيين هم الذين يشاركون في الاعتصامات فيما يستغل البقية فرصة انشغال زملائهم ليعملوا ويكسبوا أكثر. لطالما سمعنا عن الحركات المطلبية في لندن والدول الأوروبية والتي تستمر لأيام بلياليها وملاحقات واعتقالات. هناك هم فعلاً مؤمنون بقضيتهم وبأحقيتها. بدءاً من أجرة السرفيس التي ارتفعت من دون قرار رسمي وصولاً إلى البطالة والهجرة التي تسرق خيرة الشباب ومن يصحو يغادر كي ينسى أو يبقى وتستهويه الدوامة.
ربما أثقلت تلك الهموم الكثيرة حركتهم، أو ربما الإدراك بات عاجزاً عن تحليل الحالة فباتت الحالة هي الوضع الطبيعي، والأغلب أن كل يغني على ليلاه. جيل جديد عايش كل هذه الأوضاع ومر عليه من لا يمر على اي جيل في العالم ككل، ما زال غير قادر على تحديد اولوياته وقضاياه. رحمة بالجيل المقبل كفى استغلالاً لهذا الوعي اللبناني.