باريس تعرف: هؤلاء أحبطوا انتخابات الرئاسة
خفايا المبادرة الفرنسية الانقاذية والدور السوري المعطل
خفايا المبادرة الفرنسية الانقاذية والدور السوري المعطل
“المواجهة مستمرة بين نظام الرئيس بشار الاسد والدول المعنية بمصير لبنان اذ لم يتم التوصل الى اي نوع من التفاهم الجدي بين دمشق وعواصم القرار الدولي. فادارة الرئيس بوش ترفض تقديم اي التزام بالعمل على تحريك المفاوضات السورية – الاسرائيلية حول الجولان، كما تفعل على المسار الفلسطيني – الاسرائيلي، والحكم الفرنسي يرفض المطالب والشروط السورية المتعلقة بانتخابات الرئاسة اللبنانية. وتربط اميركا وفرنسا اجراء اي تحول في علاقاتهما مع النظام السوري بحدوث تغيير جذري وجوهري في سياسات هذا النظام حيال لبنان بحيث يتقبل استقلال هذا البلد ويحترم ارادة ابنائه الحرة ومتطلبات المجتمع الدولي والمجموعة العربية ويمتنع عن التدخل السلبي في شؤونه ويتوقف عن تحريض المعارضة على استخدام العنف والقوة لمحاولة فرض شروطها ومطالبها على الغالبية الكبرى من اللبنانيين.
وفي الوقت الذي لا تزال القيادة السورية تسعى الى تأمين انتخاب رئيس جديد ملتزم بتفاهمات سرية توصل اليها مع السوريين وذلك كخطوة اولى نحو اعادة تركيب السلطة في لبنان في اشراف سوري، فان فرنسا واميركا تعملان، وبدعم دولي وعربي واسع، على حماية حكم الاستقلاليين واحباط الخطط السورية المهددة للامن والاستقرار والسلم الاهلي في هذا البلد وفي المنطقة عموما، بوسائل مختلفة”.
هذا ما اكدته لنا مصادر ديبلوماسية اوروبية في باريس وثيقة الاطلاع على الملف اللبناني. واوضحت ان الجهود الفرنسية والاميركية تتركز، وبموافقة دولية وعربية واسعة، على تحقيق ثلاثة اهداف اساسية في لبنان في هذه المرحلة هي:
أولاً، الحفاظ على السلم الاهلي خلال المرحلة الانتقالية الناتجة من فراغ سدة الرئاسة وذلك اعتمادا على الجيش والقوى الامنية وعلى حكومة فؤاد السنيورة وعلى افرقاء لبنانيين اساسيين.
ثانياً، اعطاء الاولوية لتأمين انتخاب رئيس جديد في اطار من التوافق الداخلي يكون متحررا من النفوذ السوري لكنه غير معاد لدمشق ويستند الى قاعدة الاستقلاليين الواسعة لكنه منفتح ايضا على المعارضة ويحترم ويطبق قرارات مجلس الامن ذات الصلة.
ثالثاً، ممارسة مختلف انواع الضغوط على القيادة السورية لاحباط اي عملية يمكن ان تقوم بها لتفجير الوضع الداخلي ودفع اللبنانيين الى الاقتتال وتحميلهم مسؤولية العجز عن معالجة مشاكلهم بانفسهم ردا على رفض الدول الكبرى عقد اي صفقة مع نظام الاسد على حساب لبنان المستقل وعلى حساب مصالحه الحيوية.
وفي هذا الاطار كشفت لنا مصادر ديبلوماسية اوروبية وثيقة الاطلاع خفايا “المهمة الفرنسية لانقاذ لبنان” وحقائق الاتصالات التي جرت بين باريس ودمشق، وشددت على الامور الاساسية الآتية:
أولاً، المبادرة الفرنسية اعتمدت في جوهرها صيغة “لا غالب ولا مغلوب” التي اطلقها وتبناها الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى وتدعمها المجموعة العربية ككل وترفضها سوريا والقوى اللبنانية المتحالفة معها لانها تريد الهيمنة على السلطة.
ثانياً، رفض الحكم الفرنسي اقتراحا سورياً يقضي بالتوصل الى تفاهم سوري – فرنسي على رئيس لبناني تثق به دمشق كليا ويزورها قبل انتخابه في مجلس النواب، ثم يتم فرض هذا الرئيس على الافرقاء اللبنانيين. وابلغ المسؤولون الفرنسيون الى الرئيس بشار الاسد ومسؤولين سوريين آخرين ان فرنسا وسائر الدول المعنية تريد اجراء انتخابات حرة وديموقراطية من خلال آلية محددة تقضي بتشجيع الغالبية والمعارضة على التفاهم على رئيس توافقي، واذا تعذر ذلك لن تتوقف الجهود بل يتم التفاهم بينهما على مرشحين او ثلاثة توافقيين يختار النواب بينهم الافضل والانسب، وبحيث ينتهي الامر بانتخاب رئيس توافقي. وقد وافق الاسد على هذا الاقتراح خلال استقباله يوم 4 تشرين الثاني الجاري مبعوثي الرئيس نيكولا ساركوزي الامين العام للرئاسة كلود غيان والمستشار الديبلوماسي جان دافيد ليفيت. وفي الوقت نفسه ابلغ رئيس مجلس النواب نبيه بري الى الفرنسيين انه يقبل هذا الاقتراح وسيسعى الى التفاهم مع زعيم الغالبية النائب سعد الحريري على مرشحين او ثلاثة اذا تعذر الاتفاق على رئيس توافقي. ووفقا لما قاله لنا ديبلوماسي اوروبي مطلع: “ان الهدف الحقيقي من هذا الاقتراح الفرنسي تقوية موقف الغالبية والاستقلاليين من خلال تجميد استخدام حق انتخاب الرئيس بالنصف زائد واحد، وهو حق دستوري قائم، في مقابل تأمين توافق نيابي سياسي واسع على رئيس استقلالي ولو لم يكن رسميا من فريق 14 آذار. والفرنسيون يرفضون كليا ان تصر المعارضة على فرض شروطها او مرشحها على الغالبية، باسم التوافق، او ان تمنع اجراء الانتخابات”.
ثمن فرنسي لا لبناني
ثالثاً، رفض المسؤولون الفرنسيون بشكل قاطع، خلال اللقاءات مع المسؤولين السوريين، مناقشة فكرة اجراء مقايضة او مساومة على حساب استقلال لبنان وسيادته وعلى حساب القوى الاستقلالية وبما يؤدي الى هيمنة القوى المتشددة المرتبطة بدمشق على السلطة والى وقف او تعطيل تطبيق قرارات مجلس الامن ذات الصلة وتحويل مسار المحكمة الدولية المكلفة النظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وفقا لمشيئة السوريين.
وقال لنا ديبلوماسي اوروبي مطلع: “لقد تم افهام المسؤولين السوريين ان الحكم الفرنسي مستعد لان يدفع “ثمنا فرنسيا” وليس ثمنا لبنانيا او دوليا لتأمين اجراء انتخابات الرئاسة ولمعالجة المشاكل العالقة في اطار الحوار والتشاور بين الافرقاء اللبنانيين وليس من خلال العنف والقوة المسلحة. وهذا “الثمن الفرنسي” هو الاستعداد لتحسين العلاقات الثنائية مع سوريا والعمل على تحسين العلاقات السورية – الاوروبية والدعوة الى تحريك مفاوضات السلام بين السوريين والاسرائيليين، في مقابل تعاون نظام الاسد الايجابي مع الجهود الفرنسية والدولية والعربية لانقاذ لبنان من ازمته الحادة”.
واضاف هذا الديبلوماسي: “ان فرنسا وسائر الدول المعنية ترى ان من حق السوريين المشروع استعادة الجولان بالوسائل السلمية وعبر المفاوضات، ولكن ليس لدهم اي حق مشروع في العمل على “استعادة” لبنان وفرض هيمنتهم مجددا عليه”.
رابعاً، اقترح الفرنسيون على المسؤولين السوريين ان يقوم البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير بدور “الراعي المسيحي” لعملية انتخاب الرئيس الجديد بحيث يعد لائحة بالمرشحين التوافقيين المقبولين مسيحيا لاختيار اسم او اسمين او ثلاثة منها. ورفض الفرنسيون منذ البداية ان يكون العماد ميشال عون هو “الراعي المسيحي” لهذه العملية الانتخابية لانه طرف فيها كونه مرشحا للرئاسة ولان مواقفه الناتجة من تحالفه مع القوى المرتبطة بدمشق تلقى رفضا من الاستقلاليين. وقد وافق الاسد على هذا الاقتراح الفرنسي.
خامساً، رفض الفرنسيون منذ بدء انفتاحهم المشروط على النظام السوري اي صيغة تهدف الى اعطاء تفويض فرنسي لدور سوري سياسي او امني مباشر في الشؤون اللبنانية، واكدوا التزامهم القوي الواضح وكذلك التزام المجتمع الدولي بحماية استقلال لبنان وسيادته والوقوف بحزم ضد اي محاولة لاعادة ربط هذا البلد بسوريا على اساس ان ذلك يهدد امن لبنان واستقراره كما يهدد الاستقرار الاقليمي، وعلى اساس ان الغالبية العظمى من اللبنانيين ومن مختلف الطوائف ترفض العودة الى زمن الهيمنة السورية. وكرر المسؤولون الفرنسيون في لقاءاتهم مع المسؤولين السوريين التأكيد على “ان مفتاح تحسين العلاقات بين باريس ودمشق هو تقبل نظام الاسد رسميا وفعليا لبنان المستقل السيد والتعامل معه على هذا الاساس والتوقف بالتالي عن التدخل في شؤونه لزعزعة امنه واستقراره واضعاف دولته ومؤسساته”.
ووفقا لديبلوماسي اوروبي مطلع: “بدا ظاهريا ان السوريين وافقوا على هذه المعادلة الفرنسية واكدوا استعدادهم للتحاور والتعاون مع الحكم الفرنسي على اساسها”.
من المسؤول عن الفراغ الرئاسي؟
لكن ما حدث هو نقيض ذلك تماما وفقا لما اكدته لنا المصادر الاوروبية المطلعة، وكشفت في هذا المجال الامور والوقائع الاساسية الآتية:
أولاً، تراجع الاسد عن موافقته على ان يختار بري والحريري مرشحين او ثلاثة توافقيين في حال تعذر التفاهم على مرشح واحد، وابلغ الى الفرنسيين انه يتمسك بضرورة التفاهم بين الغالبية والمعارضة على مرشح واحد للرئاسة “تطمئن اليه دمشق كليا”.
ثانياً، تراجع نبيه بري عن وعوده المقدمة الى الفرنسيين وابلغ الى برنار كوشنير وزير الخارجية الفرنسي انه تعرض لضغوط من المعارضة، اي فعليا من “حزب الله”، وانه اصبح يتمسك بضرورة التفاهم مع الحريري على مرشح واحد “تطمئن اليه المعارضة كليا”. كما رفض بري اقتراحا فرنسيا يقضي بعقد جلسة لمجلس النواب “بمن حضر وليتحمل الغائبون مسؤولياتهم” لانتخاب رئيس توافقي قبل انتهاء المهلة الدستورية.
ثالثاً، تراجع الاسد عن تأييده لقيام البطريرك صفير بدور “الراعي المسيحي” لعملية الانتخابات هذه وتمسك خلال لقائه الثاني مع كلود غيان يوم 20 تشرين الثاني الجاري بضرورة حصول “اجماع سياسي مسيحي” على شخصية الرئيس الجديد مما يتطلب بالتالي حصول موافقة عون عليه. ورأى الفرنسيون في ذلك شرطا تعجيزيا وليس عاملا مسهلا لاجراء الانتخابات.
رابعاً، رفض الاسد، فعليا، ان يقبض “ثمنا فرنسيا” لتسهيل اجراء انتخابات الرئاسة اللبنانية اذ انه يريد “اكثر من تحسين العلاقات الثنائية مع فرنسا ومع الاتحاد الاوروبي”. فالاسد يريد “ثمنا لبنانيا” وكذلك “ثمنا دوليا” لتسهيل اجراء هذه الانتخابات. و”الثمن اللبناني” المطلوب هو ان يقوم الاسد بالدور الاساسي، مباشرة وعبر حلفائه، باختيار الرئيس الجديد وان تضغط فرنسا على الغالبية لقبوله مما يمنح دمشق قدرة كبيرة على التأثير في مجرى الاحداث في لبنان في المرحلة المقبلة. اما “الثمن الدولي” فيتمثل باتخاذ الاجراءات اللازمة لحماية النظام السوري من المحكمة الدولية وبعدم استخدام قرارات مجلس الامن لفك الارتباط بين لبنان وسوريا وبالقيام بجهود دولية حقيقية لتأمين انطلاق مفاوضات سورية – اسرائيلية حول مصير الجولان. لكن الفرنسيين والاميركيين يرفضون مطالب الاسد هذه ويعارضون بشدة السياسة السورية القاضية باستخدام لبنان رهينة للمساومة عليها دوليا وعربيا بهدف تأمين مصالح نظام الاسد وإن على حساب المصالح الحيوية المشروعة للبنانيين.
واكدت لنا مصادر اوروبية معنية مباشرة بالملف اللبناني ان الحكم الفرنسي على اقتناع بان مبادرته الانقاذية هذه لم تفشل لانها مستمرة لتأمين انتخاب الرئيس اللبناني الجديد ولانها نجحت حتى الآن في تحقيق ثلاثة اهداف هي:
أولاً، اظهرت دعم الدول المعنية لانتخاب رئيس استقلالي ولكن بالتوافق بين الغالبية والمعارضة ورفضها اقدام المعارضة على استخدام التوافق لفرض شروطها او تعطيل الانتخابات.
ثانياً، هذه المبادرة جعلت الفرنسيين شهودا على اعمال وتصرفات النظام السوري وحلفائه، فاصبحوا يملكون معلومات وادلة عن حقيقة مواقف كل الاطراف في الساحة اللبنانية. وقد تم اطلاع دول عدة على هذه المعلومات والادلة.
ثالثاً، المسؤولون الفرنسيون على اقتناع تام بأن الغالبية النيابية تعاونت كليا معها لتأمين نجاح مبادرتهم وانتخاب الرئيس الجديد استنادا الى لائحة البطريرك صفير، ولكن في المقابل فان القيادة السورية هي المسؤولة عن تعطيل انتخابات الرئاسة في موعدها وان “حزب الله” ونبيه بري وميشال عون هم الاطراف الذين يتحملون مسؤولية الفراغ في سدة الرئاسة. ووفقا لديبلوماسي اوروبي مطلع: “عون قام بالدور الاساسي مسيحيا لاحباط المبادرة الفرنسية وجهود البطريرك صفير وهو يبدو مستعدا لان يفعل كل شيء لمنع انتخاب مرشح آخر سواه للرئاسة. وهذا الموقف يلائم المسؤولين السوريين كليا”.
واكد هذا الديبلوماسي ان برنار كوشنير “لا يزال متمسكا بتعهده اطلاع العالم على حقيقة ما جرى وما يجري في لبنان وبفضح المسؤولين عن تعطيل الانتخابات الرئاسية، لكنه لن يفعل ذلك ما دام هناك امل حقيقي بانتخاب رئيس جديد توافقي في مستقبل قريب”.
بقلم عبد الكريم أبو النصر