محاججة لبعض رافضي “التسمية”: نعم للإنقاذ لا لـ”الإصلاح”
جهاد الزين
احدى النقاط التحاججية الاكثر بروزاً التي لجأ اليها بعض المعترضين على امكان اقدام البطريرك صفير على “تسمية” مرشح – رئيس للجمهورية او لائحة مرشحين، هي المتمثلة بالقول ان نجاح “التسمية” سيعني حصول سابقة خطرة في “الديموقراطية اللبنانية” تُكرّس اختيار كل رئيس من مرجعية طائفته الدينية، سواء بالنسبة الى رئيس الجمهورية او رئيس مجلس النواب او رئيس الحكومة.
تعبّر هذه النقطة التحاججية عن اختلاط بل خلط مستمر وواسع الانتشار في “ادبيات” السجال السياسي اللبناني بين الفكرتين الانقاذية والاصلاحية في لبنان.
انه اختلاط ربما آن الاوان للبحث في انهائه في المرحلة المقبلة، اي فصل متطلبات الفكرتين الانقاذية والاصلاحية.
لقد بلغ النظام السياسي في لبنان درجة من التمركز الداخلي الطائفي المتواكب مع انشداد بنيوي الى مرجعيات اقليمية تدير مباشرة الاجهزة المحلية المسيطرة على طوائفها، وتحديداً، بل وحصراً بهذا الشكل عند السنة والشيعة،… بلغ النظام الطائفي درجة بات معها مرة اخرى على شفير الانفجار امام كل استحقاق سلطوي متصل تماماً بالصيغة الميثاقية القائمة. وها نحن الآن امام ازمة استحقاق انتخاب رئيس للجمهورية.
مرحلة كهذه يغرق فيها النظام السياسي عملياً ومعه كل المعنيين الاقليميين والدوليين بموقعه على خارطة الصراع المحتدم في المنطقة… هي الآن مرحلة تفرض اولويات التفكير الانقاذي لا الاصلاحي.
وعندما يكون الشعب اللبناني، سواء بفئاته المتورطة في دعم آليات الصراع الداخلي او بفئاته “الاسيرة” لهذا الصراع، تحت خطر نشوب حرب اهلية جديدة من الابادات المتبادلة بسبب سقوط هيكلية الدولة… اي معنى يبقى لـ”الحجة الاصلاحية” التي ترفض فكرة ان يسمي الآن – وهذا ما لن يتكرر على الارجح في المستقبل الابعد – الرئيس الديني للطائفة المارونية فرداً او لائحة اسماء تنتظر قوى كبرى في العالم و”الاقليم” ان يقدمها؟
الانقاذ من الحرب الاهلية – اياً يكن شكلها – وهي دائماً في الحالة اللبنانية مرتبطة بانهيار هيكلية الدولة(•)، له اولويات هي التي يعبر عنها التوجه المتعدد المستويات وخصوصاً بين قوى متصارعة داخلية وخارجية متزايدة لكي يقوم البطريرك الماروني بـ”التسمية” على ضوء آلية مشاورات بدأها اصلاً.
آن الاوان لنحرر انفسنا – خصوصاً في الاوساط المعنية بالفكر الاصلاحي وهي اساساً بيئة المثقفين – من هذا الدمج التلقائي والتقليدي بين الحاجات الاصلاحية والحاجات الانقاذية.
اعرف صعوبة قبول فكرة الفصل هذه على مثقفين او متعاطين متنورين بالشأن العام قضوا حياتهم – او ردحاً طويلاً من حياتهم – لم يفكروا يوماً بأي مبرر للفصل بين برامج الانقاذ وبرامج الاصلاح واعتبروا ذلك دائماً امراً واحداً في حالات الاختلاف او الاتفاق، بل حتى رغم نجاح قوى طائفية في توظيف طائفي للأفكار الاصلاحية السياسية.
اعتقد الآن ان هذا الجيل فات الاوان عليه لكي يشهد “اصلاح” النظام السياسي، فما نحن فيه هو مرحلة ذات اولويات انقاذ. ليس فقط بسبب الخطر الداهم للحرب الاهلية – وهو خطر يومي تبعاً لجو المنطقة – وانما ايضاً بسبب غياب لا سابق له لـ”القوى الاصلاحية”. هناك أفكار اصلاحية يحملها في التكرار او في صيغ جديدة بعض الافراد هنا او هناك، لكن في ما آلت اليه الانشدادات الاساسية لبنية النخب السياسية اللبنانية، لا وجود قطعا لـ”قوى” يمكن ان يطلق عليها بشكل جدي قوى اصلاحية. ولأعطي مثلا على ذلك، قرأت مؤخرا نصا أصدرته مجموعة من العاملين المعروفين في مجال الافكار السياسية، يدعو باختصار الى فكرة جوهرية هي فكرة “الدولة المدنية”. ومن المذهل في كل هذا النص الذي حاول جديا ان يبرر الحاجة الى “الدولة المدنية” أي الدولة المنفصلة عن السيطرة الطائفية، لم أقرأ كلمة واحدة تدل ان واضعيه فكروا لحظة في من هي القوى التي يمكن ان “تصنع” الدولة المدنية في الحياة السياسية اللبنانية.
يجب ان ننتهي – على صعيد آخر – من الكلام الاصلاحي الذي لا يبذل مجهودا في تعريفنا بالقوى الاجتماعية والسياسية صاحبة المصلحة في “الاصلاح”… أيا تكن خطوطه. والسؤال الرئيسي المطروح حاليا في الزمن الانقاذي الذي نواجهه هو: كيف يمكن لقوى طائفية مسيطرة تماما على الطوائف، أن تصنع نظاما غير طائفي! إلا حين لا يكون للكلام ثمن مدفوع وجدي، عندها خذ من عتاة الطائفيين القدامى والجدد ما تريد وما تشتهي، من “الاصلاحات” غير الطائفية!
أما “الفكر الانقاذي”، فكر السعي الى تلافي “انتحار” (أو “استنحار” جماعي لبناني عملا بشعبية النظام الطائفي في الطوائف) فهو من ذلك النوع الذي تشهده حالياً موجة دعوة البطريرك صفير الى “التسمية”.
فكرة التسمية، من حيث تبلورها، ليست مجرد اقتراح يتعلق بشخص، بل يُظهر مسار المداولات حولها انها فكرة شديدة الاهمية والدلالة و… الاختبار.
اننا نختبر حاليا “طاقة” النخب السياسية المسيحية الى ما آلت اليه قدرتها (أو عجزها) في أخذ مبادرة تعيد تأكيد الحاجة المستجدة الى موقع المسيحيين في التركيبة اللبنانية. وهذا اختبار لو نجح يمكن ان يفتح المجال لتأسيس علاقات انفراجية عميقة التأثير في الداخل اللبناني، ولربما تكون عتبة لاحقة لدلالات على مستوى موقع مسيحيي المنطقة.
كما أننا نختبر في هذا الاقتراح “آخر” امكانات آلية لبنانية او على قدر ما جدي من “اللبننة” في وضع مأخوذ تماما – ليس فقط في الارادات بل في البنى السياسية – للخارج.
•••
الحجة “الاصلاحية” التي أراها أقوى من الاولى والتي توضع في وجه “التسمية” من بعض أوساط محترفي التفكير الاصلاحي، هي تلك التي تقول ان دعوة البطريرك لـ”التسمية” تستندالى فكرة مشاورات تؤدي الى “وحدة الطائفة المارونية” عبر سياسييها في اختيار اسم او مجموعة أسماء للرئاسة يتبناها البطريرك. تقول الفكرة الاعتراضية هنا انه يجب عدم تشجيع معادلة “وحدة الطائفة” لأنه كلما توحدت، او وُحدت الطائفة انقسم لبنان. فوجود طوائف موحدة يعني بلدا منقسما.
اعتبر هذا الاعتراض هو الأقوى في مجال النقاش حول “التسمية” لأنني – ببساطة – مقتنع به اقتناعا “اصلاحيا” كاملا. فليس من أفق “اصلاحي” – أيا يكن لنظامنا الطائفي الذي يعيش حالياً أقوى أوضاعه في الشعبية والسيطرة والفساد – بدون العودة الى وضع للحياة السياسية تصبح فيه كل طائفة مزيجا متعددا من القوى السياسية والايديولوجية المتصارعة والمتحالفة مع نظائرها في الطوائف الاخرى المنقسمة على نفسها.
لكنني بكل بساطة ضد هذه الحجة الآن في مجال “التسمية”، ليس فقط لأنها تتعلق بضرورات اصلاحية لا انقاذية، وانما ايضا – وأساسا – لأن ما ستؤول اليه “تسمية” البطريرك، فيما لو قام بها، لا تعبّر عن “وحدة الطائفة المارونية” بقدر ما تعبر في اللحظة السياسية التي نحن أمامها عن تنوع الطائفة المارونية. وعلي أن أذكّر أصحاب هذا الاعتراض، أن التحدي الاعمق – وأسمح لنفسي بوصفه بالتحدي التاريخي – الذي يواجهه البطريرك هو ان يقوم بـ”التسمية” بروحية مبادرة بديلة عن خلافات بعض السياسيين الموارنة (الصومالية الاحقاد!) لا عن اتفاقهم… مبادرة باسمهم تنتظرها – في وضع استثنائي- نخب مأزومة عند المسلمين! مبادرة بمعنى ما “رغما” عنهم وباسمنا جميعا، في لحظة دولية – اقليمية لها فرصة كبيرة للنجاح حتى لو حملت قدرا من المجازفة.
(•) يعرف لبنان نموذجا خاصا وليس معمما للحرب الاهلية، انها الحرب التي ينقض فيها المجتمع على بعضه البعض… طائفيا في ظل انهيار الدولة بل بشرط انهيار الدولة. لكن هناك نماذج للحروب الاهلية مختلفة: الحرب الاهلية بين “الدولة” واحدى الجماعات الاهلية كالعراق بين الاربعينات و2003 حيث الدولة ضد الاكراد في الشمال، او السودان حيث الدولة ضد الجنوب. والآن ينتقل العراق بصورة ما الى النموذج اللبناني من حيث هو تقاتل الجماعات حول الدولة الضعيفة او المنهارة. ثم هناك نموذج الحرب الاهلية بين الجماعات او جماعتين محددتين دون انهيار “المركز” بل في ظل مركز قوي جدا في دولة فدرالية كالهند (ف. اس. نايبول يسمّي كتابه الشهير عن الهند: “الهند، مليون تمرد الآن”) أو حرب أهلية حول مركز ضعيف. كما هي تقليديا افغانستان. لكن “الاضافات” في النمذجة في السنوات الاخيرة هي وجود الحرب الاهلية في ظل الاحتلال الاجنبي، او الانهيار “الاهلي” الذي تعقبه ادارة من الامم المتحدة كما في كوسوفو، مع احتمال ان تكون هذه الاخيرة أول دولة في القرن الحادي والعشرين يعلن كيانها المستقل بقرار من مجلس الامن الدولي لا زال موضع اعتراض روسيا، أو ثاني دولة اذا أخذنا بعين الاعتبار سابقة “تيمور الشرقية” التي تكرست بقرار دولي بعد طول تجاهل.. أميركي أيام “الحرب الباردة”. الخ…