#adsense

أزمة كيان لا أزمة نظام

حجم الخط

أزمة كيان لا أزمة نظام

المحامي بشارة منسى  (المستشار القانوني السابق لمجلس النواب )

 

ان استمرار الازمة الدستورية القائمة يشكل تهديدًا للسلم الاهلي في البلاد يجب تداركه في اسرع وقت ممكن والا وقعنا في التجاذبات والانقسامات والصدامات التي شهدناها بين عامي 1989 و1991.


والموضوع المطروح امامنا اليوم هو هل ان مجلس النواب الملتئم وفقًا للمادتين 73 و75 لانتخاب رئيس للجمهورية يستطيع ان يبادر الى امور تشريعية اخرى اذا لزم الامر، اضافة الى مهماته الانتخابية الملحة والتي حددها الدستور بقوله “دون مناقشة او أي امر اخر” (المادة 75 دستور)؟


سأل الرئيس حسين الحسيني الدكتور ادمون رباط في كتاب مؤرخ  18/11/1987:
“يثير البعض في هذه الايام احتمال عدم انعقاد جلسة لانتخاب رئيس للجمهورية في الموعد المقرر دستوريًا مما يطرح بعض الاسئلة التي لا بد من الاجابة عنها سلفا تحسبًا لكل طارئ”.


جاء في متن الكتاب الجوابي للدكتور رباط المؤرخ 14/12/1987 وفي الفقرة المتعلقة بصلاحية مجلس الوزراء وتحمل مسؤوليات سدة رئاسة الجمهورية كاملة في حال خلوها، ما يأتي:


“فإذا ما حصل في شهر ايلول ما يتخوف منه البعض، واستحال على البرلمان ان يجتمع، بسبب ظروف قاهرة، او امتنعت اكثرية اعضائه عن تلبية واجبها الدستوري، فيكون هذا البلد الصغير قد اعطى للعالم صورة اخرى من الكوارث الشاذة، الفريدة في التاريخ، لما يصيب شعبًا اصبح مفككًا، متناثر الطوائف والاحزاب، في اطار دولة اسمية من دون حياة وفعل ومسمى.


لذلك كله، واذ استميح عذرًا من يخالفني، اتشرف بإبداء الرأي بأن مجلس الوزراء هو الذي تتجسد في كامل هيئته، السلطة التنفيذية، في حالة خلو رئاسة الجمهورية، “لاية علة كانت”، ومنها عدم انتخاب خلف له، أكان ذلك في الفترة الدستورية المحددة في المادة 73 من الدستور، او بعد انقضائها، وذلك كله عملاً بالنص الجازم الوارد في كل من المادتين 62 و74 من الدستور”.


ثم ان الرئيس حسين الحسيني في ظروف غياب مجلس الوزراء بعد اغتيال المرحوم الرئيس رشيد كرامي والجدل الذي كان قائمًا حول شرعية وزارة الرئيس الحص التي ورثتها وجه كتابًا مؤرخًا 3 ايار 1988 يسأله فيه عن شرعية اعمال المجلس.


اجاب الدكتور رباط في كتاب مؤرخ 5 ايار 1988 الرئيس الحسيني، بما يأتي:
“السلطة التشريعية مستقلة عن السلطة التنفيذية ويتوجب عليها ان تستمر بممارسة صلاحياتها الدستورية، بقدر ما تسمح لها الظروف السياسية، واذا كانت السلطة التنفيذية في حالة من الشلل والانقسام، فلا تؤلف هذه الحالة ولا يجوز ان تؤلف عائقًا او عذرًا، لكي تسير السلطة الشتريعية على منوالها.


فما دامت السلطة التشريعية قادرة على ممارسة وظائفها الدستورية، وبخاصة في حقل التشريع، وان لم يكن بمقدورها، في الوقت الحاضر، ممارسة وظيفتها البرلمانية الاخرى، التي لا تقل خطورة وشأنًا عن ممارستها سلطتها التشريعية، الا وهي اجراء الرقابة على تصرفات السلطة التنفيذية ومناقشة السياسة التي تتبعها، فلم يكن ذلك الا بحكم قوة قاهرة، لا تحول، على كل حال دون ممارسة المجلس النيابي كامل سلطته التشريعية، الامر الذي يجعل بالتالي جميع اعماله التشريعية سليمة ليس فيها اية شائبة ولا يمكن ان يطالها أي نقض او اعتراض”.

 

وكان الدكتور رباط في ظروف مماثلة ايضًا، كتب في النشرة القضائية لعام 1962 حول المادة 49 دستور وتطبيقها، وهي بيت القصيد اليوم:


“… الغاية من القانون انما هي خدمة المجتمع وتذليل متناقضاته، فالطريقة الواجب اتباعها لادراك هذه الغاية لم تكن التعلق تعلقًا شكليًا بعيدًا عن الوقائع الاجتماعية باسباب القانون الاولى، التي دفعت الى اصداره، وانما باستنباط تفسير له يتوخى المجتهد في اعتماده احقاق الحق وتحكيم العدل والوجدان في اطار المصلحة العامة العليا.
وعن هذه القواعد العصرية في تفسير القوانين العادية والدستورية، ظهرت مؤلفات عدة، نلفت النظر من بينها الى ما جاء بالصدد في مؤلف


F. Gémy Méthode d’interprétation et sources en droit privé positif t II, No 183 et suite 1932».
بمعزل عن هذا الموقف الاخير للدكتور رباط واهميته لتفسير القوانين بما يخدم المصلحة العامة ولا يقوض دعائمها، لا بد من ان نطرح السؤال الآتي وبصراحة: هل ان المجلس الملتئم وفق المادة 75 دستور لانتخاب رئيس للجمهورية يحق له ام لا وفي الوقت نفسه، انما خارج الجلسات المحددة للانتخاب، اقرار قوانين ملحة ومنها تعديل الدستور اذا كان امن البلاد واستقرارها مهددين.


واني في هذا الصدد اشاطر معالي الوزير والنائب السابق الاستاذ حسن الرفاعي الرأي في: “ان التئام المجلس لانتخاب الرئيس لا يسقط عنه صفته التشريعية اذا اقتضت الحاجة”.
ويجدر طرح السؤال نفسه وان بشكل آخر ايضًا معتمدًا المنطق القانوني المبسط: اذا استمر المجلس غير متوافقا على انتخاب رئيس للجمهورية فهل يبقى مشلولاً لامد غير محدد فيراقب البلاد تنهار اقتصاديًا وامنيًا امامه وهو عاجز بموجب فقرة “أي عمل آخر” في المادة 75 دستور عن انقاذه؟


وهل يمكن اعتبار المجلس المسجون اليوم، في قسم كبير من اعضائه، داخل فندق فينيسيا، ملتئمًا؟
اضافة الى كل ذلك هل يحق لنا ان نعتمد في سياق هذا التفسير المجتزأ للمواد الدستورية 73 و74 و75 سياسة شل اعمال مجلس النواب على كل الصعد بعدما  شلت رئاسة الجمهورية تمامًا وشلت جزئيًا اعمال مجلس الوزراء؟
علمًا ان تعديل الدستور هو في متن الدستور وصلبه وقواعده وليس خارجًا عنه.
لقد عدلت فرنسا دساتيرها وألغتها مرارًا في القرن المنصرم. ثم فعل ذلك الجنرال ديغول في دستور الجمهورية الخامسة فعدله مرات عدة. وقد عدل هذا الدستور حديثا لتقصير ولاية رئيس الجمهورية من سبع الى خمس سنوات تسري على الرئيس ساركوزي اليوم.


هل ان الدساتير هي الهدف ام الاوطان؟
ما الفائدة في ان يبقى الدستور وتزول فرنسا؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل