#dfp #adsense

رئاسيات 2007 :هذا ما جرى في الايام العشرة الاخيرة؟

حجم الخط

رئاسيات 2007 :هذا ما جرى في الايام العشرة الاخيرة؟

فيتو سوري اطاح بغانم وفيتو اميركي اطاح بإده

الشراع

 

الأيام العشرة الاخيرة في عهد الرئيس السابق اميل لحود او ما عرف بأيام ((الشر المستطير)) شهدت من التطورات المتسارعة والمتقلبة ما اوصل في الرابع والعشرين من شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2007 الى جمهورية بلا رئيس ليحل ما يمكن تسميته الفراغ الممسوك.

 

هل يدوم هذا الوضع؟ والى متى؟ وكيف يمكن الخروج من حال انسداد الافق امام حلول جزئية تضمن ولو الحد الادنى من الانفراج السياسي لتجنيب البلاد الانتقال من الفراغ الممسوك الى الفراغ الفالت..؟

اسئلة مطروحة اليوم تحاول ((الشراع)) الاجابة عنها من خلال ايراد أبرز ما جرى خلال ايام ((الشر المستطير)) وذلك وفق الآتي:

 

سئلت شخصية رفيعة واسعة الاطلاع ومطلعة على جانب من الاتصالات التي دارت في كواليس الاستحقاق الرئاسي: من المسؤول عن تحقيق الاستحقاق الرئاسي وعدم حصول الانتخاب في المهلة المحددة دستورياً هل هو النظام السوري ام الادارة الاميركية؟

 

الشخصية نفسها اجابت مباشرة على السؤال: ((الاثنان معاً)).

 

وعلى مدار الايام العشرة الاخيرة التي سبقت تاريخ الرابع والعشرين من شهر تشرين الثاني/نوفمبر لم يشهد لبنان في تاريخه ما شهده خلالها من اتصالات وزيارات ولقاءات سريعة ومتقلبة تبهدل خلالها اطراف داخليون بعد ان ظهر لوهلة انهم يكذبون قبل ان يتبين ان الفريق الذي يمثلونه هو الذي تراجع عما كان التزم به كما تبهدل خلالها الاوروبيون وخصوصاً فرنسا التي قامت بدور يلهث خلف اجراء الاستحقاق الرئاسي قبل ان يعود وزير خارجيتها برنارد كوشنير الذي اقام في بيروت عدة ايام بخفي حنين الى بلاده مغادراً الى باريس ((خلسة)) متجرعاً الخيبة ومرارة الفشل.

 

ايام عشرة لم يستطع احد اللحاق ولو مهرولاً بأحداثها ودقائقها وتفاصيلها وأسرارها، حتى ان وسائل الاعلام المحلية ومراسلي وسائل الاعلام الاجنبية كانوا في حالة سباق مع الوقت والتطورات المتسارعة بين هبة ساخنة تليها هبة باردة، ثم بين حديث عن اختراقات ثم عن ((فيتوات))، حتى بدا الامر وكأن المسرح اللبناني تحول الى  مختبر لتركيب معادلات من اضداد مختلفة قبل ان تتأكد استحالة ذلك في الجينات السياسية للبشر كما في الكيمياء وعلومها، او كأنه تحول الى مدرسة يصقل فيها الدبلوماسيون والمسؤولون الكبار في بلادهم والاسلاميون تجاربهم ويضيفون الى علم التضاد والصراع على الارض المستديرة دروساً ونماذج وخلاصات لا بد وأن يستفيدوا منها في الآتي من المهام التي قد يكلفون بها مستقبلاً.

 

الشخصية نفسها وهي مخضرمة وذات تجربة طويلة لا تخفي نقزتها مما جرى، وتقول ان سرعة وتقلب المواقف في الايام العشرة المذكورة التي انتهت الى جمهورية بلا رأس ((اخافتني))، ليس لأن الازمة اكبر من البلد بل وأيضاً لكثرة التعقيدات وتشعبها.

 

الا ان الحقيقة الوحيدة التي خرجت بها هذه الشخصية هو ان الولايات المتحدة وسوريا ادتا دور المعرقل لانجاز الاستحقاق سواء كانتا متفقتين على ذلك وهو امر مستبعد او غير متفقتين وهو الامر الارجح برأي الشخصية نفسها.

فماذا جرى؟

 

الاكيد اولاً هو ان دمشق هي التي عطلت انتخاب النائب روبير غانم رئيساً للجمهورية، رغم تبني بري لهذا الترشيح منذ ثلاثة اشهر، ونجاحه في تسويق هذا الترشيح في اوساط قيادة حزب الله التي استقبلت روبير غانم وكان لها ما ارادت من ضمانات طلبتها وتطلبها من أي مرشح للرئاسة.

 

وخلافاً لما هو شائع عن ان روبير غانم هو المرشح الخفي للنائب سعد الحريري والكلام عن انه طرح الاسم لدى زيارته الاخيرة لواشنطن، فإن زعيم ((تيار المستقبل)) طرح اسم غانم بعد ان اتضح ان هناك ((فيتو)) سوري على اسمه، خاصة وان هذا الفيتو برز ليس فقط من سحب بري تبنيه له بل من خلال الحملة المنظمة التي شنت على غانم وضمنها حملة الاشاعات ضده، وكان اقل ما وجه الى غانم ضمن الحملة تلك هو انه لم يترك قوى 14 آذار/مارس الا قبل ثلاثة اشهر فقط وأنه نسّق مع قياداتها ابتعاده عنها ضماناً لقبول قوى 8 آذار/مارس به.

 

وتقول الشخصية نفسها ان بري تبنى ترشيح غانم بعد ان لمس ان ترشيح مرشحه المفضل وهو جان عبيد يصطدم بسلسلة من ((الفيتوات)) ابرزها سوري وآخر اميركي اضافة الى وجود فيتو ثالث عليه من البطريرك صفير ولذلك طوى صفحة ترشيحه قبل ثلاثة اشهر ومضى بترشيح غانم في وقت كان الحريري يرشح حاكم مصرف لبنان رياض سلامة او النائب السابق ناظم خوري.

 

ولم  يشفع لغانم ادراج اسمه في لائحة البطريرك صفير إذ كانت الحملات ضده آخذة في المزيد من حرقه، وكان من شأن اللائحة تضييق هامش الاختيار بدلاً من توسيعه فضمت اللائحة اربعة مرشحين من 14 آذار/مارس هم النائبان بطرس حرب وروبير غانم والنائب السابق نسيب لحود وحاكم مصرف لبنان السابق ميشال خوري (بناء على رغبة الوزير السابق فؤاد بطرس) ومرشح من المعارضة هو النائب ميشال عون ومرشح خارج الفريقين هو الوزير السابق ميشال اده ومرشح سابع مشروط هو حاكم مصرف لبنان رياض سلامة (اذا لم يتطلب ترشيحه تعديل الدستور كما ورد بخط البطريرك صفير).

الشخصية نفسها تعتقد ان اللائحة كلها موضوعة من قبل البطريرك ليختار بري والحريري اده فهو ضمناً مرشحه، والعلاقة بينهما وطيدة وسيد بكركي لم يتردد مرات في وضعه بالقول ((هذا ولدي الحبيب))، كما انه معروف عنه انه يلتقي اده مرتين او ثلاث في الاسبوع، فضلاً عن ان صفير وفور تسليم السفير الفرنسي لائحة اسماء المرشحين بادر الى استقبال اده على الغداء بعيداً عن الاضواء.

 

وكان واضحاً ان الامور تسير باتجاه اختيار اده، حتى ان زعيم اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط وافق على اده كما ان موقف جعجع اتسم إزاء هذا الاختيار بالليونة هذا اضافة الى موقف بري الذي تبنى الترشيح وقال يومها جملته الشهيرة ((بقرد او سعدان بدنا رئيس)) وبدأ الاعداد للطبخة خصوصاً بعد ان تردد ان بري تلقى اتصالاً من مسؤول عربي رفيع ابلغه ما اعتبر قبل ايام قليلة من موعد الانتخاب (ليل الثلاثاء قبل الماضي) بأنه كلمة السر العربية والدولية.

 

وكان بري يعتزم وفقاً لما نقل عنه الذهاب إلى مجلس النواب للانتخاب على رأس كتلة التنمية والتحرير التي يترأسها في غياب نواب حزب الله معتبراً ان الحزب ربما يكون مضطراً لمراعاة النائب ميشال عون وقد يقاطع جلسة انتخاب رئيس توافقي لهذا السبب، لذلك فإن المطلوب المضي في الانتخاب، وكان بري مستعداً للوصول على رأس كتلته ليصل معهم عدد النواب إلى 83 وكان بحاجة إلى 3 نواب لإكمال نصاب الثلثين ولذلك لجأ إلى النائب ميشال المر لتأمين العدد الناقص إذا غاب نواب حزب الله والتيار الوطني الحر. وتردد يومها ان الأخير نجح في تأمين موافقة بين سبعة وثمانية نواب من كتلة التغيير والإصلاح للجلسة إذا كان الرئيس المطروح انتخابه توافقياً.

 

الا ان موقفاً صريحاً من السفير الاميركي جيفري فيلتمان نقل الى عدد من القيادات البارزة برفض ترشيح اده اوقف عملية المضي في انتخاب اده في جلسة الثالث والعشرين لأسباب ما زالت حتى الآن مبهمة فالبعض فسر الموقف بأنه للنيل من محاولة فرنسا تكبير دورها في لبنان خصوصاً بعد عودة الحرارة الى اتصالاتها بسوريا والبعض الآخر فسره بأنه يعود الى سن اده المتقدم (81 عاماً) وما تردد عن زيارة قام بها الى سوريا قبل ايام من اطلاق ترشيحه وتعهده بالاستقالة بعد سنتين من انتخابه..الخ

 

وتروي الشخصية نفسها ان سعد الحريري الذي كان بري طلب منه استقبال اده والذي عاد واستقبله بعد ان وضع الفيتو الاميركي عليه كان يومها في روسيا للقاء الرئيس فلاديمير بوتين، الا ان العمل كان جارياً في بيروت لانجاز انتخاب اده في جلسة الجمعة خاصة وانه نقل عن بري يومها انه دخل بهذا الامر بالزجاج او بالحيط مع حلفائه، فقد انطلق من ان حزب الله قد يقاطع الجلسة مراعاة لموقف العماد ميشال عون الا انه سعى الى تأمين نصاب الثلثين من خلال نوابه ومن خلال النائب ميشال المر ومن يمون الاخير عليه من كتلة ((التغيير والاصلاح))، ووصل الامر الى حد اعلان المر ان سبعة او ثمانية من نواب الكتلة المذكورة سيشاركون جلسة الانتخاب اذا كان الرئيس الذي سينتخب توافقياً.

 

بناء على ذلك هل تحول الاستحقاق الرئاسي الى كيس ملاكمة توجه دمشق تارة اللكمات اليه وواشنطن تارة اخرى، ام انهما اتفقتا على التعطيل، ام انهما ارتضتا التأجيل الى موعد يندرج ضمن روزنامة مشتركة للقضايا الخلافية القائمة بينهما حتى اذا جاء وقت البت فيها خرج المولود الرئاسي في لبنان لما تؤول اليه علاقتهما الخاضعة اليوم لأكثر من تأويل.

 

لحود خاف من فيلتمان وخذل نصرالله

 

تنقضي الساعة 24 ليل الثالث والعشرين والرابع والعشرين من الشهر الجاري ولا يعلن الرئيس اميل لحود أي إجراء او أي تدبير في مرسوم طالما اشاع انه سيصدره ضمن خيارات ستة كان يقول انه يدرسها وسيعتمد احدها.

قبل ساعات قليلة اصدر مستشاره الاعلامي رفيق شلالا بياناً اعلن فيه توافر الظروف للاعلان عن حالة الطوارىء، وبعد ردود فعل وتصريحات وبيانات من الحكومة حول لاقيمة البيان يعود شلالا ويوضح ان لحود لم يعلن في البيان حالة الطوارىء بل اعلن توافر الظروف للاعلان عن حالة الطوارىء.

 

وعاشت البلاد بين ثلاث وأربع ساعات تنتظر خطوة اخرى، لكن المطلعين ليلتها استبعدوا مثل هذا الاجراء او التدبير، وكان واضحاً لدى هؤلاء ان لحود في واد والمعارضين المتلهفين لخطوة يقدم عليها في واد آخر.

 

فما هي قصة ما لم يقم به لحود؟ ولماذا خذل نفسه اولاً لأنه كان يهول دائماً وقبل ايام قليلة من رحيله انه لن يسلم البلاد لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة؟ ولماذا خذل – ثانياً – المعارضين الذين تولى امين عام حزب الله السيد حسن نصر الله مناشدة لحود باسمهم لاتخاذ مبادرة انقاذية لا تترك البلاد لما وصفه مجموعة من ((اللصوص والقتلة)).

لحود اشترط في كلامه خلال الاتصالات مع قوى المعارضة بأن يزوره رئيس مجلس النواب نبيه بري في قصر بعبدا، والطلب اليه على غرار نصر الله القيام بالخطوات المزمع اتخاذها.

 

هذا في الشكل، وقد جرى اعتبار هذا الكلام تهرباً لأن لحود يعرف منذ زمن ان بري هو من اكثر الرافضين لأية خطوة تثير تصادماً او انقساماً جديداً خاصة اذا كانت من نوع تشكيل حكومة ثانية، لا بل انه يعرف مسبقاً ان بري لم يزره منذ الاعلان عن تشكيل الحكومة السنيورية قبل اكثر من سنتين ونصف السنة، وان اية زيارة من بري لقصر بعبدا تعني مغادرته تحفظاته حيال الزيارة.

 

والحقيقة ان امرين استجدا ودفعا لحود الى عدم القيام بما كان يهول به:

 – الاولى: زيارة بعيدة عن الاضواء قام بها الى دمشق ولم تعرف تفاصيلها تأكيداً او نفياً لوعد قطعه مسؤولون سوريون لمسؤولين اميركيين التقوا بهم في لندن مؤخراً بالامتناع عن القيام بما من شأنه خلق اجواء تشنج جديدة مع رحيل لحود والحفاظ على الستاتيكو.

 

الثاني: خوف لحود من الانذار الاميركي الموجه له والذي كان نفى قبل فترة وجوده او انه تبلغه، وجاء الانذار الاميركي بلسان السفير الاميركي جيفري فيلتمان الذي ابلغ شخصية مقربة من رئيس الجمهورية ان بلاده لن تتساهل مع أي إجراء تقسيمي او حكومة ثانية قد يقدم لحود عليها وان عدم التساهل يتضمن اجراءات جاهزة لاتخاذها بحقه ومن الافضل له الرحيل بصمت، ونقل قريبون من لحود انه خاف على نفسه وعائلته بالفعل من أية اجراءات قد تتخذها الولايات المتحدة ضده او ضد ابنائه، ولذلك ((كوّع)) وآثر الرحيل بهدوء.

 

المعارضون الذين راهنوا على لحود وخصوصاً حزب الله الذي ملأ وسائل اعلامه والطرقات ضمن دائرة نفوذه بملصقات الاشادة بلحود وعهده اصيبوا بخيبة بعد ان غادرهم لحود دون الالتفات الى مطالبهم، علماً ان البعض يعتبر انه بذلك يعوض عن شيء ولو كان بقليل عن حجم الارتكابات والاخطاء التي ارتكبها خلال عهده.

 

إذا حصل وإذا لم يحصل لبنان في مهب التطبيع الاميركي – السوري

 

الجمعة في الثلاثين من شهر تشرين الثاني/نوفمبر هو الموعد الذي حدده رئيس مجلس النواب نبيه بري الاسبوع الماضي لجلسة انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

 

هذا الموعد معرض بدوره للتأجيل وثمة شكوك بإمكان حصول توافق يضمن الانتخاب في الجلسة المقبلة وان كان بعض المراقبين يتوقع حصول الانتخاب اذا انتهى مؤتمر انابوليس الى اقرار معادلة جديدة في المنطقة لا بد ان يكون لها انعكاساتها على الوضع في لبنان واستحقاقه الرئاسي.

 

والمقصود بالمعادلة الجديدة هو شكل العلاقات العربية – العربية في المرحلة المقبلة وخاصة علاقة سوريا بدول الاعتدال العربي، اضافة الى الشكل الذي ستتخذه العلاقة الاميركية – السورية بعد هذا المؤتمر ومدى قرب او بعد دمشق عن القضايا المطالبة بها ومنها علاقتها بإيران، طالما ان واشنطن كانت وما تـزال تطالب النظام السوري بتغيير سلوكه ولم تصل الى المطالبة او العمل على تغيير هذا النظام.

 

ويقول هؤلاء ان دمشق كما هو واضح لا يهمها من مؤتمر انابوليس لا الجولان الذي اشترطت لحضوره ادراج مسألة احتلاله على جدول الاعمال ولا يهمها حتى القضية الفلسطينية التي خاضت غير سجال وعراك مسلح ضد القرار الوطني المستقل ايام الرئيس الراحل ياسر عرفات، بل ان ما يهمها هو كسر جدار العداء بينها وبين الولايات المتحدة وبدء حوار يضمن لها امراً وحيداً وهو لبنان الذي طالما اعتبرته جائزتها لعدم محاربة العدو الصهيوني وتسعى من خلال ذلك الى مقايضة مع الاميركيين لمساعدتهم في كل ما يطلبون وفي كل مكان وفي اية قضية ومسألة مقابل طي ملف المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري واطلاق يد النظام السوري من جديد ولو بحدود جزئية في لبنان، وهو امر ما زال متعذراً على الاقل في هذه الظروف كما تقول مصادر دبلوماسية غربية تشير الى ان عقارب الساعة لا يمكن ان تعود الى الوراء وان دون عودة الوصاية السورية الى لبنان عقبات وصعوبات ابرزها رفض اكثرية اللبنانيين في الموالاة والمعارضة لها ووجود مناخ عربي متضامن مع لبنان ويختلف عن الظروف التي كانت وراء دخول القوات السورية تحت ستار قوات الردع العربية في العام 1976 اضافة الى المناخات الدولية التي ترجمت خلال السنوات الثلاث الماضية سلسلة من القرارات الدولية اشهرها القرار 1559.

 

ويعتقد دبلوماسيون عرب مطلعون ان الحماس الاميركي للبنان خف في الآونة الاخيرة وان هناك ميلاً داخل الادارة ووزارة الخارجية والكونغرس لتطبيع ما للعلاقة مع النظام السوري بفواتير يراد لها ان يدفعها في العراق وفلسطين وقضايا اخرى وهذا الميل يعززه الموقف الاسرائيلي المتمسك ببقاء النظام السوري حائطاً في وجه قوى التحرر والتحرير السورية الحقيقية.

 

ولذلك يرسم هؤلاء صورة قاتمة للوضع في لبنان اذا لم يبادر زعماؤه وقياداته الى التوافق ولو على الحد الادنى، فإذا حصل التطبيع الاميركي – السوري سيدفع لبنان الثمن لأن النظام السوري يريد الثأر من كل من تجرأ عليه وطالب بالحرية والسيادة والاستقلال واذا تعذر التطبيع فإن الحال لن يكون افضل وربما اسوأ ففي الحالتين سيدفع لبنان الثمن وسيكون الضحية غياب الموقف الوطني الجامع.

 

من هنا، فإن الفراغ الرئاسي قد يطول، وإذا لم يحدث الانتخاب في اول جلسة تعين بعد جلسة الثلاثين من تشرين الثاني/نوفمبر فان اقرب موعد يتم التحدث عنه هو موعد القمة العربية التي ستستضيفها سوريا في آذار/مارس المقبل والتي قد يكون من شروط نجاحها كما يتمنى النظام السوري الافراج عن الاستحقاق الرئاسي في لبنان، والا فان الموعد قد يمتد الى الصيف وربما الى ما بعد الانتخابات النيابية في ايار/مايو في العام 2009.

 

بري يتخلى عن تفاؤله والسبب ميشال عون

 

لأول مرة منذ زمن طويل يجاهر رئيس مجلس النواب نبيه بري بهواجسه ومخاوفه، ويبدو انه تخلى حالياً عن استراتيجية او تكتيك اختراع الأمل، رغم انه كان في اسوأ اللحظات الحرجة في مراحل سابقة كان مصراً على التمسك لا بل التشبث بهذه الاستراتيجية او هذا التكتيك زارعاً التفاؤل في الاجواء الداكنة ومولداً الاصرار او أنواعاً من الاصرار والعزيمة على تحدي الصعوبات والعقبات.

 

بري اليوم مختلف عما كان عليه سابقاً ويخشى الشر المستطير بكل اوجهه لا بل انه لا يتردد امام زواره من سفراء عرب وأجانب وشخصيات لبنانية من التحذير من مغبة ما هو قادم اذا استمر الوضع القائم على حاله من الجمود والمراوحة وشلل المبادرات.

 

وأخشى ما يخشاه بري هو موقف العماد ميشال عون وتطوره بشكل يتحول الى عقبة كأداء امام الحل المرتجى، وإذ يعتبر البعض ان رئيس المجلس يعبر بذلك عن استيائه من قيام حزب الله بتكليف عون من قبل المعارضة بمتابعة الاتصالات مع الموالاة بعد سحب ملف التفاوض منه – حتى اشعار آخر – فإن ذلك اذا كان صحيحاً لا يلغي اهمية وخطورة ما يحذر منه بري الذي يقول كما نقل عنه اذا كنا نجاري عون بلعبة تثوير المسيحيين وقيادتهم في وجه حكومة السنيورة وسعد الحريري فمن هو قادر على دفع الفاتورة بعدئذ، فعون لن يقبل بعد الآن اذا نجحت خطته بقيادة الشارع المسيحي الا مفاتيح بعبدا.

وقد ظهر من مواقف العماد عون الاخيرة عندما نصّب نفسه بطريركاً سياسياً للمسيحيين ورفض لقاء الحريري وجنبلاط.. الخ اصراره على ترشيح نفسه وتحقيق ما يعتبره حلمه بالوصول او العودة الى قصر بعبدا ولو عن طريق تكبير الازمات.

 

اضافة الى هذا فان ضرب الاعتدال المسيحي كما تقول مصادر مراقبة ووصول الامور الى مرحلة لا يمكن بعدها العودة الى الوراء من شأنه رفع السقف المسيحي، وساعتها (الله يستر) كما نقل عن بري، ولذلك فإن رئيس مجلس النواب دعا احد السفراء العرب البارزين الى التنبه لما يجري قائلاً له ((نحن الشيعة سكتنا ومضى علينا خارج الحكم اكثر من سنة وذلك حرصاً على وحدة المسلمين ووأد الفتنة، لكن اليوم ماذا سنفعل وبأي منطق يراد للمسيحيين ان يسكتوا خصوصاً اذا بقيت طائفتان كبيرتان خارج الحكم قاصداً بذلك المسيحيين والشيعة، لذلك يركز بري على ضرورة انجاز الاستحقاق واعادة الامور الى نصابها.

 

وترى اوساط اخرى ان تصدر عون المطالبة بحقوق المسيحيين وإظهار الامر كأنه سلب لحقوق المسيحيين من قبل السنة هو محاولة للقبض على القرار المسيحي وسلب كل القوى والمرجعيات الاخرى أي دور، مما يثير مخاوف من امكان الوصول الى اجواء مشابهة للفراغ عام 1988 أي الى حائط مسدود وانسداد الأفق امام اية تسوية، وفي تاريخ لبنان عندما كانت تكبر الازمات لا تجد متنفساً لها الا بالدم وهدره، خصوصاً اذا كان لدى العماد عون احلام من نوع الانقضاض على اتفاق الطائف ومحاولة فرض اتفاق جديد.

 

ومع انتقال المشكلة الآن الى الصف المسيحي حيث باشر عون ما اسماه ورشة سياسية واجتماعية وشعبية وتعبوية هدفها (تأكيد صعوبة الوضع وضرورة نـزع الشرعية الشعبية والسياسية المسيحية عن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة من زاوية انها تغتصب صلاحيات الرئاسة الاولى وتمثل خرقاً لميثاق العيش المشترك)) فإن سقف الكلام السياسي في اوساط التيار الوطني الحر ارتفع بشكل مبالغ فيه من خلال اطلاق حملة عدائية واسعة ضد النائب سعد الحريري من خلال توجيه سهام الانتقادات والاتهامات ضده، حتى ان بعض نوابه بدأوا التحدث بطريقة غريبة في عصبويتها وعنصريتها بكلام من نوع لن نقبل بأن يكون الحريري رئيساً لحكومة لبنان بعد اليوم)).. وسنجعل الحريري يندم على رفضه تولي عون رئاسة الجمهورية او ان سعد الحريري لن يرتقي حتى الى رتبة وزير.. الى آخر ما هنالك من كلام اقل ما يقال فيه انه تعبير عن هلوسات يائسين او (دونكيشوتية) وأقل من (بونابرتية) كما كتب النائب وليد جنبلاط في اسبوعية الحزب التقدمي الاشتراكي ((الانباء)).

 

تعادل بين فريقي الازمة وفراغ منظم وخوف من أفخاخ

 

لا يمكن الحديث عن ربح وخسارة لفريقي الازمة في لبنان، لا الاكثرية ولا المعارضة، وعدم انجاز الاستحقاق الرئاسي ضمن المهلة المنصوص عنها في الدستور بالشكل الهادىء الذي تم فيه يشير الى نتيجة التعادل بين فريقي 8 و14 آذار، رغم ان الخاسر الاكبر هو لبنان الوطن والشعب والمؤسسات.

 

التعادل فرضته ظروف الفراغ الهادىء والمنظم التي وفرها توافق محلي وخارجي مبني على معادلة قوامها اذا كان الحل غير متيسر فإن الانفجار او الفوضى الهدامة ممنوعان، كما بات واضحاً، مع تسليم ببقاء كل ما هو قائم على حاله بانتظار ما قد تؤول اليه التطورات لاحقاً.

 

الكل ينتظر إذن لكن مع الإمساك بمواقعه ومواقفه ومطالبه، وأية دعسة ناقصة خارج الترتيب المعمول به او المتفق عليه في الداخل والخارج معناه تحمل المسؤولية والغرق في وحول لا ترتجى لأصحابها اولاً والبلد ثانياً، ولهذا الامر حساباته الدقيقة فلا موقف معلن او متواتر من كواليس عاصمة معينة الا ويوضع في خانة مترابطة من المواقف المماثلة فأي حراك او مبادرة خارج السياق لا لزوم لها وأية ردة فعل قد تكون فخاً منصوباً من الطرف الآخر تمهيداً لانقضاضه على الفريسة الواقعة في الشرك، فقد يكون هذا الزمن زمن مغادرة معادلة توازن الرعب الداخلية التي حكمت البلاد لأكثر من سنة لمصلحة بناء معادلة او موازين قوى جديدة بضوء اخضر خارجي اقليمي او دولي او من الاثنين معاً.

 

تعطل اجراء الانتخابات الرئاسية حتى الآن ولد تصدعات في جبهتي الفريقين على السواء، الا ان احداً لا يستطيع ان يجاهر بهذا التصدع الآن وكل فريق يتمسك بوحدته ويعتبرها حالياً أقدس القضايا لأن في كل فريق خشية من كرة ثلج قد تجرف اصطفافات المرحلة السابقة من دون ان تحمل معها معطيات لاصطفافات من نوع جديد وخارطة تحالفات متبدلة تحمل لكل طرف ما كان له من وزن في الخارطة.

 

وبدا واضحاً ان مؤتمر (انابوليس) احدث هزات في الجسد اللبناني والفريقين المتصارعين بانعكاساته، سواء من خلال الاحباط الذي زرعه او البلبلة التي اثارها وجعل الجميع اسرى حالة انتظار ليس لنتائج المؤتمر الذي قد لا يكون له نتائج بل لانعكاسات ومؤثرات ما قد يسفر عنه من معادلات.

 

واذا كان حلم اللبنانيين في 14 آذار في الحرية والسيادة والاستقلال قد انكسر في جزء منه بفعل ما ظهر من واقع البلد عشية انتهاء ولاية اميل لحود، فإن الحلم بالاستقلال الثاني وان كان مهدداً يبقى متجسداً بحكومة الرئيس فؤاد السنيورة التي جابهت كل الضغوط وتعرضت لأسوأ عملية تشويه لمسارها تارة بمحاولة اظهارها فئوية مذهبية وتارة بمحاولة اتهامها بمصادرة حقوق المسيحيين، ونجحت بعد صد تداعيات العدوان الاسرائيلي في تموز 2006 في صون مكتسبات انتفاصة الاستقلال تقف اليوم سداً منيعاً في وجه محاولات اعادة البلاد الى الوراء واستباحتها وإغراقها من جديد في أتون التبعية والوصاية والاحتلال.

المصدر:
الشراع

خبر عاجل