بعد إذنكم جميعا
سمير عطالله
تستخدم العامة في لبنان كلمة «دستور» بمعنى «بعد إذنك». فإذا أردت أن تتخطى موقعا في طابور قلت للواقف أمامك «دستور». ويضمن لك هذا التأدب حق التجاوز. والآن يريد بعض اللبنانيين تجاوز النصوص الدستورية من أجل إنقاذ البلد من براثن الفراغ وسقط الجدل. ولذلك ذهبت الأكثرية إلى ترشيح العماد ميشال سليمان بعد الاعتراض عليه سابقا. وفوجئ الناس بعدم معارضة العماد ميشال عون للترشيح حتى الآن. أو بالأحرى حتى كتابة هذه السطور. فعندما التقطت الصور التذكارية في باريس للجنرال عون والنائب سعد الحريري فرح كثيرون فرحاً جماً.
وأما أنا فقلت دعونا ننتظر يوماً إضافياً ولما مضى اليوم الإضافي، أو قبل الانقضاء بقليل، كان الجنرال عون قد انقض على لقاء باريس وكل لقاء آخر.
لم يكن في الأمر قراءة سياسية ثاقبة أو فائقة. كانت هناك فقط قناعة بأن الرجل يتعامل مع رئاسة الجمهورية وكأنها إرث شخصي سرق منه. وكلامه في هذا الإطار لا يحتاج إلى فك الرموز. فهو يعتبر أنه ليس لأحد حتى حق الترشح. ويكتب مؤيدوه في الكتب وفي المقالات أنه «الرجل الذي تسعى الرئاسة إليه». وكتب أحد نوابه أن سيده أهم من الرئاسة وأعلى.
حتى هذه اللحظة أعلن عون عدم الممانعة في السماح بترشيح قائد الجيش ولكن «وفقا لمبادرته». أي طبعا مبادرة العماد عون. والمبادرة تقضي بأن لا تطول ولاية سليمان، إذا طالت، أكثر من عامين، يقضيها في نق يومي ونكد دائم، محاطا بتصريحات يومية وغضب عميم، في انتظار وصول المنقذ إلى داره.
لا ندري ماذا سيحدث. في بلد لا منطق فيه ولا قواعد ولا ضوابط ولا أحكام ولا حدود دنيا للمشاعر الوطنية والأصول الأخلاقية، لا يمكن التكهن بشيء ولا افتراض شيء، لكن في هذا المهرجان من الكره والحقد والتباغض والاستعلاء والاستكبار والغرور، يبدو أن ميشال سليمان هو الأمل الأخير. خلافا للجنرال ميشال عون والجنرال إميل لحود، لم يتعاط السياسة يوما واحدا كقائد للجيش. وخلافا لهما لم يصدر أمراً عسكرياً واحداً بضرب الناس في الشوارع. وخلافا لهما بقي على الحياد بين الجميع. وخلافا لهما لم يملأ الدنيا بتصريحات يومية وبيانات يومية ومواقف متضاربة. وإذا قال غدا إن يده نظيفة من أي دماء فسوف يصدقه الجميع. لم يعرف عنه انه سخر ضميره الوطني والشخصي مرة واحدة.
كمواطن لبناني كنت أتمنى عودة الرئاسة إلى المدنيين. لكنني واثق من أن ميشال سليمان سوف يكون العسكري الذي يعيد الحياة المدنية. وسوف يعيد القصر الجمهوري إلى خبراء الدساتير وأهل القيم الدستورية.
وميشال سليمان هو مثال اللبناني العادي. الآدمي والمجتهد والعارف بأحوال الناس. والمتواضع الذي سيعمل وأمامه لحظة الخروج من القصر لا ساعة الدخول إليه. وأنا أعرف ضوابط ميشال سليمان الأخلاقية وأعرف بساطته وأعرف ماذا لا يمكن أن يقبل. وأعرف أنه يخاف قبل أي أحد، سمعته في بيت أهله وفي حارته وفي بلدته. وإذا كان تعديل الدستور هو الحل فعلى الأقل يعدل الدستور هذه المرة بناء لرغبة أكثرية الناس لا رغما عنها.