ترشيح سليمان بين اعتبارات 14 آذار الداخلية والإقليمية وحسابات “حزب الله” الإيرانية والسورية
“مرحلة أنابوليس” والصراعُ على شروط إدارة الأزمة
“مرحلة أنابوليس” والصراعُ على شروط إدارة الأزمة
نصير الاسعد
في مطلع الأسبوع الجاري، بادرت قوى في 14 آذار إلى طرح قائد الجيش العماد ميشال سليمان مرشحاً توافقياً لرئاسة الجمهورية. ويقول رئيس “اللقاء الديموقراطي” وليد جنبلاط إن “الفكرة” انطلقت خلال لقاء ثلاثي جمعه ورئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة ورئيس “تيار المستقبل” سعد الحريري، وإن تشاوراً في شأنها جرى مع قيادات مسيحية في 14 آذار، منها من وافق، ومنها من لم يُبدِ تحفّظاً سياسياً أساسياً عنها.
جنبلاط يشرح “فكرة” ترشيح سليمان
وراء “الفكرة”، بحسب جنبلاط، أكثر من إعتبار. الأول هو حرص الأكثرية والحكومة على عدم إطالة أمد الفراغ في سدّة الرئاسة بعد أن وقع “المحظور” في 24 تشرين الثاني. والثاني أن “المعارضة” أسقطت في الأسبوع الماضي آلية المبادرة الفرنسية التي ارتكزت على اللائحة الإسمية التي قدّمها البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، عندما تمسّكت بمرشح واحد وحيد منها ورفضت أن تذهب اللائحة إلى المجلس النيابي للانتخاب. وعلى هذا الأساس، وكي لا يدوم الفراغ الرئاسي ويتّهم المسلمون بالاستفادة، كان لا بد من مبادرة لمحاولة الخروج منه. والثالث هو إفتراض وراء “الفكرة” أن إسم قائد الجيش مقبول لدى “المعارضة” أو معظمها.
مرحلة أنابوليس
أما الإعتبار الرابع الذي يدخله جنبلاط في الحساب، فهو على قاعدة أن الجيش بالدور الأمني الكبير الذي يضطلع به يمثّل حصانة السلم الأهلي، لا بل إن الجنرال سليمان يمثّل ضمن المعطيات القائمة ليس فقط البديل من الفراغ إنما يمثّل أيضاً البديل من الذهاب إلى الصدام فيما لو طال أمد الفراغ. وفي هذا الاعتبار الرابع نفسه، يضيف جنبلاط أن مبادرة فرقاء أساسيين في 14 آذار إلى طرح ترشيح سليمان، أتت في الإطار الإقليمي بالتزامن مع مؤتمر أنابوليس الذي يفتتح مرحلة جديدة “من الأفضل إزاءها أن نرمّم وضعنا الداخلي وأن نتحصّن مع الجيش وخلفه”.
إذاً، هكذا يلخّص وليد جنبلاط “الفكرة” وما وراءها.
حذرُ “حزب الله”
في قراءة لردّ فعل “المعارضة” على ترشيح سليمان، يمكن ملاحظة الآتي:
الرئيس نبيه بري المفترض أنه يؤيّد وصول ميشال سليمان إلى سدّة الرئاسة، والذي نُقل عنه “حماسه” في هذا المضمار، يتريّث، ويريد توافقاً إجماعياً كي يشرع في الآليات الموصلة إلى تعديل الدستور بما يمكّن من انتخاب العماد سليمان رئيساً.
أما “حزب الله”، فقد أدى خلال الأيام القليلة الماضية على نحو “معبّر”. بدايةً تعاطى مع ترشيح 14 آذار لسليمان بوصفه مناورةً سياسية إحراجية. وإذا كان واضحاً تماماً أن هذا الطرح يحرجه بالفعل لأنه لا يستطيع رفضه بشكل مباشر، فقد بدا الحذر السياسي لـ”حزب الله” واضحاً على هذا الصعيد، بالضبط لأن السياق السياسي لترشيح العماد إختلف هذه المرة.
جنبلاط و”حزب الله”: مخاوف متعاكسة
وهنا لا مفرّ من كلام واضح. ما لا يخوض فيه زعيم “المستقبل” سعد الحريري يقوله جنبلاط علناً، وهو أن مؤتمر أنابوليس إما أنه نتيجة لتسوية أميركية ـ سورية وإما أنه يمهّد لتسوية أميركية ـ سورية. الحريري من ناحيته يعتصم بالصمت حيال هذه التقديرات، لكن جنبلاط كان صريحاً في إعلان تخوّفه من هكذا تسوية. وإذ يعتبر جنبلاط أن مشاركة سوريا في أنابوليس كانت “حاجة أميركية” كما يقول، يرى أن “التاجر السوري” إما أنه بدأ “البازار” حول لبنان أو أنه سيبدأ به قريباً. الاتصالات الأميركية معه سواء من جانب وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس أو نائب وزير الدفاع إريك أدلمان تؤكد له أن أي صفقة أميركية مع سوريا في لبنان وعلى لبنان لم تحصل ولن تحصل. لكنه على الرغم من ذلك، “يظن” أن “مرحلة أنابوليس” ستفرض “قانونها” على المنطقة وعلى لبنان، لا بل يذهب إلى تقدير أن من شأن “مرحلة أنابوليس” إقليمياً تمديد “المرحلة الإنتقالية” اللبنانية وأن تُدخل لبنان في “إدارة للأزمة” بطريقة مختلفة حتى لو لم يحصل “بازار” مباشر أميركي ـ سوري.
واللافت في هذا السياق أن ما يتخوّف جنبلاط منه يتخوّف “حزب الله” أو يبدو متخوّفاً من عكسه. فانطلاقاً من المعطى نفسه، أي معطى أنابوليس، يلمحُ جنبلاط تسوية أميركية ـ سورية على حساب لبنان والقوى الاستقلالية فيه، فيما يلمح “حزب الله” احتمال تسوية أميركية ـ سورية على حساب إيران وعلى حسابه. جنبلاط، في صلب تحليله، يميلُ إلى الاعتقاد أن التسوية الأميركية مع سوريا لا تقود حكماً إلى إفتراق سوري ـ إيراني، بينما يميل “حزب الله” إلى العكس.
الصراع على توازنات المرحلة الانتقالية
بعد هذا “الممر الإقليمي” تحليلياً، يبدو إلى حدّ كبير أن إقتراح فرقاء 14 آذار ترشيح العماد سليمان إلى رئاسة الجمهورية إنما يقعُ على تقاطع تقدير ان “مرحلة أنابوليس” الاقليمية “سوف” تفرض مرحلة انتقالية لبنانية جديدة، فلتكن تسويّة بميشال سليمان إذاً، فهو مقبول في دمشق بما لا يؤدي إلى تعطيلها للاستحقاق وليس مرفوضاً مبدئياً من واشنطن خصوصاً بعدَ “مفصل نهر البارد”.
أمّا “حزب الله” فهوَ حيال ترشيح سليمان بين حدّين. حدّ رفضه إذا كان ثمرةً لتسوية أميركية ـ سورية، وإذا كانت هذه التسوية ضدّ ايران، وإذا كانت التسوية مؤشراً إلى تسوية اقليمية عامة سينتهي مطافُها بطرح “قضيته” على بساط البحث، لأن قائد الجيش رئيساً في هكذا ظرف ليسَ نفسه في ظرف آخر، والجيش في ظروف تسوية اقليمية غيره في ظروف “اللاتسوية”. أما الحد الآخر فـ”عدم الاعتراض” مع محاولة تحسين الشروط في المرحلة الانتقالية المتجددة.
“تأجير” سوريّ للبنان إلى إيران؟
في ضوء هذه المقدّمات جميعاً التي تشير إلى أن البحث الجاري في ترشيح الجنرال سليمان، هو بمثابة صراع على “توازنات” المرحلة الانتقالية اللبنانية الجديدة، لا مفرّ مِن عدم التسرّع في الإستنتاج. بكلام آخر، إن “الإستعداد” الذي أُبدي من جانب “المعارضة” لـ”النقاش المشروط” في ترشيح سليمان، لا يعني الموافقة حتى الآن.
تريدُ “المعارضة” التثبّت مما إذا كان النظام السوري موافقاً وفي أي سياق. ويريدُ “حزب الله” التثبت من إيران. والجميع بمن فيهم 14 آذار بحاجة إلى معرفة ما اذا كانت العلاقة السورية ـ الايرانية قائمة حالياً على تمايزات او على تبادل للأدوار. هل ثمة “لطوة” سورية وراء إيران وهل ثمة “تأجير” سوريّ للبنان إلى ايران؟.
شروط على القبول بسليمان أم رفض؟
في هذه الأثناء، يلطى “حزب الله” وتلطى “المعارضة” خلف الجنرال ميشال عون، أي أن “حزب الله” كلّف عون بأن يكون في “الواجهة” لتمرير الرسائل عبره. ويُفهم من “حزب الله” عبر عون ان القدرة على رفض ميشال سليمان متعذّرة، لكن المحاولة جارية على قدم وساق لإثقال البحث بالشروط تحت مسمّى “السلة المتكاملة”. وليس خافياً ان “السلة المتكاملة” بمقياس الخطاب الأخير للأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله وبمعيار “مبادرة عون” تعني الاستيلاء على السلطة عبر الحكومة المقبلة وعبر التعيينات، الامنية منها بشكل خاص.
ان “حزب الله” ـ أي “المعارضة” ـ يضع ترشيح سليمان إذاً بين القبول به على شروط ملائمة له في المرحلة الانتقالية وبما يخضعها لقواعد جديدة، وبين الإطاحة بهذا الخيار في لحظة معينة.
14 آذار: الصلابة الواجبة
على أنه إذا كان مما لا شك فيه أن المبادرة المنطلقة من 14 آذار بترشيح سليمان لاقت ارتياحاً لجهة ما أظهرته من تصميم على انهاء الفراغ الرئاسي وعلى تجنب الصدام، فمما لا شك فيه أيضاً أن التحسّب لاحتمال إسقاط المبادرة واجب.
في جميع الأحوال ثمّة حدّ فاصلٌ بين أمرين: بينَ الحرص على التسوية وبينَ عدم القبول بشروط تخلّ بتوازن القوى الفعليّ في البلاد، بين الحرص على تجنّب الفتنة وبينَ قبول الإبتزاز بها، بين القراءة “الدقيقة” للمعطيات الخارجية، العربية والدولية التي لا تيفيدُ ان ثمّة “بيعاً” لـ14 آذار قد جرى ـ وهذا هو واقع الأمر فعلياً ـ وبين الإقرار بمرحلة انتقالية جديدة.
14 آذار تمثّل نصف الشعب اللبناني على الأقل، ولها شروطها ايضاً. وليس هناك ما يستدعي “تضخيم” المخاوف: لا تسوية دوليّة ـ عربيّة مع نظام الأسد على لبنان. ولذلك، ولأن “أحلام” هذا النظام في لبنان غير معترف بها دولياً وعربياً، ينبغي البناء على أن لا تغيير حول لبنان من خارجه.