لماذا تقبل سوريا؟ لماذا ترفض إيران؟
فخامة العماد… حتى إشعار آخر!
فخامة العماد… حتى إشعار آخر!
أنطوني جعجع
لماذا اصبح المحظور في الاستحقاق الرئاسي أمس مسموحا اليوم؟ ولماذا اصبح المرشح المرفوض امس رئيسا مطلوبا اليوم من خصومه قبل اصدقائه؟ وهل يمكن ان تتحول المؤسسة العسكرية الى ناد سياسي يلجأ اليه اللبنانيون وصانعو القرار في العالم كلما تشابك السياسيون عشية انتهاء ولاية وبدء اخرى؟
ليست مصادفة ان ترتفع اسهم قائد الجيش العماد ميشال سليمان فجأة ومن دون مقدمات او تفسيرات، في وقت بات من شبه المؤكد ان الرجل تولى القيادة العسكرية قبل تسع سنوات كخطوة اولى نحو تولي القيادة السياسية على غرار ما اصاب الرئيس السابق اميل لحود وما كاد يصيب سلفهما العماد ميشال عون لولا اداء خاطئ من جهته ومتغيرات معاكسة من سواه.
فكل ما سبق وواكب الاستحقاق الرئاسي كان يوحي بوجود قوة خفية تقضي على مرشحي البطريرك مار نصرالله صفير الواحد تلو الآخر وكذلك الامر بالنسبة الى مرشحي الموالاة والاكثرية المعلن منهم والمستور، في خطوة اقليمية – دولية كانت تحاول تعرية الجميع وتجريدهم من اسلحتهم السياسية والدستورية وحملهم على الاختيار بين خيارين :
– اما الفراغ الذي تتهيبه الموالاة
– واما الحرب التي تستنزف المعارضة
والواقع ان التفاهم الاقليمي – الدولي الذي بدأت تباشيره خلال زيارة العماد سليمان للقاهرة وتكرس في ما يبدو عشية مؤتمر انابوليس لم يكن ممكنا لولا ظهور تباين سوري- ايراني على مواصفات الرئيس العتيد وافكاره وولاءاته، وهو تباين ظهر من خلال مباركة سورية مباشرة وتحفظ ايراني ترجمه حزب الله من خلال التسلح بعقدة الجنرال عون وآالية التعديل الدستوري وشرعية الحكومة، معتبرا في سره ان ما جرى بين سوريا واميركا واميركا والغالبية والفاتيكان والمسيحيين ليس سوى انقلاب في المواقف ينقل المعارضة من موقع الممسك بعنق المعسكر الدولي في لبنان الى موقع الممسوك بتحول سياسي لا يخدم طهران ولا يضع المقاومة الاسلامية خارج الصفقات.
وليس سرا في هذا المجال ان سليمان كان خيارا سوريا بامتياز وانه بقي خيارا مطروحا في حسابات الرئيس بشار الاسد وإن لم يكن خيارا وحيدا، مشيرا الى ان الرجل لم يقم بأي اجراءات دراماتيكية من شأنها ضرب استراتيجة المحور الاقليمي او استراتيجية المحور الدولي مكتفيا بالقتال حيث يتفق الجميع على ضرورة القتال والفصل حيث يتفق الجميع على عدم القتال .
لكن ما تراه سوريا لا يراه حزب الله الذي لا يشعر بكثير من الرضى عن سلسلة اجراءات قام بها قائد الجيش بعد الانسحاب العسكري السوري او سّهل القيام بها على الاقل وابرزها:
– التأكيد امام المجتمع الدولي على قدرة الجيش وجهوزيته لملء الفراغ العسكري الذي يمكن ان يتأتى عن انسحاب السوريين، الامر الذي شجع على تكثيف الضغوط الداخلية والخارجية على دمشق وأسهم في قيام ثورة الارز وعزل حزب الله،
– التعجيل بنشر الجيش في مناطق اليونيفيل انفاذا للقرار الرقم1701 الامر الذي وفر غطاء امنيا شرعيا للهدنة مع اسرائيل من جهة وعمليات القوات الدولية في جنوب الليطاني من جهة ثانية،
– الدخول في معركة نهر البارد على رغم الخط الاحمر الذي رسمه السيد حسن نصرالله، الامر الذي اسهم في ضرب تنظيم اصولي عضو في المحور الجهادي القائم ضد القوات الاميركية في المنطقة وبالتالي ضد النزعة التدويلية – الغربية في لبنان،
– الدخول في تعاون عسكري مع الولايات المتحدة على مستوى التسلح والتدريب متجنبا التوصية باقامة تعاون مماثل مع الترسانة الايرانية او الشيوعية وتحديدا الصين وكوريا الشمالية .
اضف الى ذلك ان أي شيء لا يعترض عليه الاميركيون يعني في القاموس الايراني شيئا يجب اسقاطه تماما او عرقلته باي شكل من الاشكال.
لكن السؤال الذي يراود المراقبين المحليين والدوليين يكمن في المدى الذي يمكن ان يصل اليه التباين السوري – الايراني، وفي مدى قدرة المعارضة على التماسك في وقت قد يجد حزب الله والعماد عون نفسيهما في محور تديره ايران وتجد حركة امل وحلفاء سوريا أنفسهم في محور يديره الرئيس الاسد بالتنسيق مع واشنطن انطلاقا من حاجتين :
– الحاجة الى موقع آمن في خضم التوتر الاميركي – الايراني
– الحاجة الى مفاوضات سريعة مع اسرائيل تسمح بطي الملف الفلسطيني من جهة وملف الجولان من جهة ثانية وملف الحدود اللبنانية – الاسرائيلية من جهة ثالثة في مقابل تعهدات بتحييد النظام السوري على مستوى القيادة من مداولات المحكمة الدولية المرتقبة.
حتى الآن لا يبدو ان تسمية العماد سليمان مرشحة لأي تغيير من أي نوع او من أي جهة، خصوصا ان التجارب علمت الاكثرية قبل المعارضة ان ما يُبرم بين دمشق وواشنطن لا يسهل الغاؤه الا بتطور يشبه ربما تطور الحادي عشر من ايلول، وان كل ما يستطيع حزب الله والعماد عون القيام به هو الآتي:
-تسهيل عملية ملء الفراغ الرئاسي في مقابل الكلمة الفصل في الحكومة المقبلة وتعهدات بعدم العمل لتطبيق القرارات الدولية بالقوة،
-المضي في الممانعة حتى النهاية والمخاطرة بخسارة التمثيل المسيحي بالنسبة الى العماد عون، وخسارة معابر السلاح الايراني بالنسبة الى المقاومة الاسلامية.
حتى الآن لا تملك الاكثرية اي خيار آخر للتخلص من الفراغ ولا تملك المعارضة اي خيار إذا أرادت الا تضيف سوريا الى لائحة اعدائها في لبنان.
أما الأكثرية فكل ما تستطيع القيام به هو الاختيار بين أمرين: إما التسليم بما تريده المعارضة وهذا مستحيل وإما الذهاب الى خيار النصف زائد واحدًا من باب الإحراج فالإخراج، وهذا ممكن لكن ليس من دون ثمن.