سنة “غير حلوة” على اعتصام الخيم الفارغة في الوسط المحتل
سنة أولى مرت على مخيم اعتصام المعارضة في ساحتي الشهداء ورياض الصلح. قد تليها سنة ثانية أو ثالثة، من يدري، فالقائمون على الاعتصام المشؤوم ومنظرو أهدافه لا يبدو أنهم في عجلة من أمرهم لتوضيب الحمامات العمومية ومشمّعات النايلون والصور الحزبية والشعارات المشتركة والخواء المنتصر في المخيم. يبدو أن هؤلاء وهم يعلمون أن مخيمهم قد فشل في تحقيق مآربه ما زالوا يصرّون على اعتباره “وسيلة تعبير ديموقراطية من أجل انقاذ لبنان”، فيما وسط المدينة يغرق أكثر فأكثر في دوامة الإقفال والركود والخسائر المادية وصرف العمال والموظفين ودفعهم الى هجرة هذه البلاد التي تستطيع فيها السياسة قطع أرزاق المواطنين بدلاً من أن تكون العكس. هؤلاء المعتصمون بعد مرور سنة على ارتكابهم جريمة احتلال الأملاك العامة والخاصة في وسط المدينة بساحتيه يبدو أنهم استساغوا وجودهم هناك ،الذي إن لم يتمكنوا من خلاله من إسقاط الحكومة فإنهم سيضيقون خناق اقتصاد المدينة حتى قتلها، ويوسعون دائرة العوز والبطالة والغضب والكفر بهذه البلاد عند شبان وشابات آمنوا يوماً بعودتها الى الحياة (على اختلاف انتماءاتهم السياسية والطائفية والمناطقية) عاملون وعاملات وأصحاب استثمارات وغيرهم، فيصير الضرر الذي كان من المفترض أنه يتوجه الى الحكومة بالمعنى السياسي موجهاً الى المواطنين بالمعنى الاقتصادي، وما المشكلة، الضرر الفاشل هناك ناجح هنا، المهم أنه ضرر، ولا يهم من يصيب.
سنة أولى على مخيم الاعتصام، وليست سنة حلوة كما يقال في مناسبات أعياد الميلاد. سنة أولى قد تليها سنوات وستكون جميعها بشعة وكريهة وانتقامية وبلا جدوى. لن تكون سنة من هذه السنوات “حلوة”. لأن المخيم كالوحش الكاسر الذي لا يكبر إلا ليصير وحشاً كاسراً كبيراً، لن يصير ملاكاً أبداً.
ولكن في كل الأحوال، صار حري بنا نحن المواطنين أن لا نصدق أبداً مقولات ساسة المعارضة حين يقولون إنهم يكترثون لأمرنا وأنهم يعملون من أجل انتشالنا من فقرنا وأوضاعنا الحياتية السيئة حين يلجأون الى اعتصام فاشل في السياسة ناجح في تخريب الاقتصاد. والجميع يعلم أن الاعتصام لا يضر ساحتيه فقط، بل السلسلة الاقتصادية الطويلة التي تشكل الساحتان حلقة من حلقاتها. سلسلة تمر في حياة المعتصمين أنفسهم أيضاً.
سنة أولى نأمل أن لا تكبر أكثر، لكن الأمل من سياسيين اتخذوا من “التعطيل” على أنواعه نمطاً في عملهم السياسي، هو أمل لن يعيش.
هنا قراءة في إخفاقات اعتصام المعارضة خلال السنة الماضية، وقراءة لبعض الجمل التي وردت في خطاب أمين عام حزب الله في مناسبة مرور أسبوع على إقامة المخيم.
القول بأن الاعتصام هو حق ديموقراطي يكفله دستور الدولة اللبنانية الديموقراطية، ويكفل أيضاً حرية التعبير لجميع فئات الوطن وأحزابه وأطيافه، هو أمر صحيح. يحق لأي لبناني أو لأي جماعة من اللبنانيين أن تعبر عن رأيها بأي وسيلة ديموقراطية منها الاعتصام والتظاهر والكتابة وتوزيع البيانات، ولكن القانون كفل هذه الحرية بأن لا تتعدى على حريات الآخرين ولا تهدد السلم والأمن الاجتماعيين ولا تخل بالنظام العام. هذه المواصفات لا تنطبق على اعتصام مخيمات المعارضة في ساحتي الشهداء ورياض الصلح، والذي أتم السنة من عمره.
هذا المخيم الذي تشارك فيه أطياف كثيرة من المعارضة بواسطة خيم فارغة إلا من الحراس الواقفين والموزعين على أبواب المخيمالاعتصام، ومعهم صور الزعماء الموزعة في كل مكان والشعارات “الحربجية” والتحريضية المكتوبة على جدران جسر فؤاد شهاب، يحتل أملاكاً خاصة من مواقف للسيارات ومن أبنية موجودة بين الخيم، وهذا احتلال يعاقب عليه القانون في الأحوال العادية والطبيعية. المخيم يحتل أيضاً أملاكاً عامة، ومنها طرق حيوية لمدينة بيروت تصل شرقها بغربها وشمالها بجنوبها وأطرافها بقلبها، عدا عن احتلاله الأرصفة والحدائق وهذه أعمال يعاقب عليها القانون في الأحوال العادية والطبيعية أيضاً. لكن أحوال البلاد في هذه الآونة غير عادية، وأي عمل ينفذ قانونياً في وجه هذا المخيم ستكون عواقبه وخيمة على الأمن العام، فالحزب الأقوى من بين المعتصمين هو حزب الله، وهو حزب مسلح ويملك ما يشبه الجيش النظامي في عديده، وفي أغلب الأحيان يهدّد قادته ومفوهوه بالتخريب و”بالشر المستطير” وبالهاوية إذا لم تجر الأمور في البلاد بالطريقة التي يريدونها ويسعون الى تحقيق خطابهم السياسي بواسطتها. والأمر نفسه ينطبق على الأحزاب الأخرى المشاركة في هذا الاعتصام المخيم وعلى رأسها “التيار الوطني الحر”، فقادة هذا التيار أو تيار المردة أو التيار “الارسلاني” يهددون دوماً باللجوء الى الشارع من أجل الضغط على الحكومة ودفعها الى تقديم استقالتها، وهذه التهديدات ليست مجرد كلام سياسي لا مفاعيل له على الأرض، فقد عرض علينا هؤلاء جميعاً “مسطرة” مما قد يتمكنون من فعله في الشارع في “الأيام السوداء” (في كانون السنة الماضية) التي أشعلوا فيها الإطارات على امتداد الوطن وأقفلوا طريق المطار في تهديد مباشر لمرفق حيوي من مرافق البلاد، وكذلك في أعمال الشغب التي جرت في الجامعة العربية وامتدت الى الأحياء المجاورة وراح ضحيتها عدد من القتلى والجرحى وأحرق فيها عدد كبير من السيارات.
مخيم الفصام والتجني
إذاً التوازن السياسي اللبناني ووقوف القوى المسلحة من جيش لبناني وقوى أمن موقف الحياد، والتهديد المباشر الذي لا يكف عن توجيهه قادة في المعارضة الى الفرقاء اللبنانيين الذين يخالفونهم في الرأي، هذه الأسباب جميعها هي التي تبقي مخيم الاعتصام في مكانه، من دون أن يتعرض ساكنوه ومعتصموه الى أي تهديد أو تحرش أو محاولة لفك اعتصامهم من شبان ومحازبي وأنصار فريق الموالاة والأكثرية المؤيدة للحكومة. وهذا جميعه يؤكد أن هذا الاعتصام لا يصب في خانة التعبير الديموقراطي وحرية التعبير، لأنه أقيم من أجل التعطيل بينما كان هدفه المعلن إسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة من أجل تشكيل حكومة الثلث الضامن أو المعطل. وخلال السنة الكاملة التي مرت على هذا الاعتصام تبين أن التعطيل الذي يقوم به لا يؤثر في الحكومة بأي شكل من الأشكال، بل على العكس فهي تقوم بعملها على أكمل وجه، وتعقد اجتماعاتها بشكل دوري وتصدر مقررات تسيّر شؤون البلاد والإدارات والمؤسسات العامة والمواطنين من دون أدنى عقبة، ومن هذه المقررات إقرار دفع التعويضات لمتضرري حرب تموز من لبنانيي الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية الذين هم في أغلبهم من محازبي وأنصار أحزاب المعارضة ومخيم الاعتصام والمطالبين بإسقاط الحكومة الدستورية (ولو غير الميثاقية بسبب استقالة الوزراء الشيعة منها). هذه الحكومة وبعد سنة مريرة من عمر الاعتصام ما زالت تقوم بعملها بل وزادت الأعمال المترتبة عليها بعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية الممددة قسراً وتركه قصر بعبدا حالاً الفراغ مكانه، فهذه الحكومة تضطلع الآن بتسيير شؤون الدولة حتى انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة.
في الخلاصة لم يؤثر الاعتصام واحتلال وسط بيروت والمرابضة على أبواب السرايا الكبيرة في عمل الحكومة أو في شرعيتها وشرعية قراراتها، وهذا كان هدفه إنما التأثير الأكبر الذي حصله هذا الاعتصام طال مواطنين لبنانيين لا ناقة لهم ولا جمل في الخلافات السياسية الدائرة في البلاد، وهم ينتمون الى سائر الفرقاء السياسيين سواء كانوا من أصحاب المحال التجارية والسياحية والشركات والمؤسسات في وسط بيروت أو من العمال والموظفين وصغار الكسبة. هؤلاء جميعاً الذين عملوا على الاستثمار في سوق وسط المدينة الجديد نسبياً هم الذي تضرروا من اقامة الاعتصام على أرضه، فقد خسر أكثر من 5 آلاف عامل وظائفهم فيه منذ بداية الاعتصام، وهؤلاء ينتمون الى شرائح اجتماعية دنيا وجدت في العمل سبيلاً لتحسين أوضاعها الاجتماعية، وأغلبهم موظفون قدموا من ضواحي بيروت الفقيرة والمعدمة وعملوا كندل في المطاعم و”eelav gnikrap”، وطباخين في المطابخ وموظفين في الشركات بحسب تحصيلهم العلمي. وأقفلت أكثر من 168 مؤسسة تجارية وسياحية أبوابها نهائياً بسبب هذا الاعتصام، والمتبقي منها ما زال يعمل بدوامات جزئية، وخسرت تلك المؤسسات مليارات الدولارات خلال هذه السنة، وتوقفت عمليات استثمارية تبلغ قيمتها ما يزيد على 5 مليارات، وتم تعطيل عمليات شراء الشقق والمساكن بسبب توقف الشراة عن دفع المستحقات نتيجة الأوضاع الأمنية وووجود الاعتصام نفسه، وفي المحصلة العامة يمكن القول إن الاعتصام ساهم مساهمة كبيرة في تخريب الاقتصاد اللبناني عموماً.
اذن، أدى اعتصام ساحتي الشهداء والصلح الى عرقلة حياة عدد كبير من اللبنانيين من دون أن يحقق هدفه الأول أي تشكيل حكومة الثلث المعطل، وهو لم يتوقف ولم تتم إزالته رغم مبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري التي وافق عليها جميع الفرقاء السياسيين والتي تخلى فيها عن مطلب حكومة الثلث المعطل ريثما يتم الانتهاء من الاستحقاق الرئاسي. والاكثر وضوحاً في الأمر برمته أن القادة السياسيين للأحزاب المشاركة في الاعتصام يعرفون تماماً أن هذا الاعتصام لن يحقق ما يرجونه وما يطلبونه في ما يتعلق بحكومة الثلث المعطل، وهم يعرفون جيداً أن الحكومة لن تسقط ولن تستقيل بسبب الاعتصام، وهم مع ذلك يكملون في اعتصامهم وكأن هدفهم بات تعطيل الدورة الاقتصادية لمدينة بيروت عن قصد ودفع عدد كبير من اللبنانيين الى الهجرة عن قصد أيضاً، وتعطيل دورة الحياة السياحية التي كانت مزدهرة في وسط المدينة قبل الاعتصام عن قصد أيضاً وأيضاً. وفي هذه الحالة بات على هؤلاء القادة والزعماء، الكف عن التوجه الى الرأي العام اللبناني على أنهم حماته وأنهم يحققون مصالحه وأنهم يطلبون المشاركة في الحكم من أجل مصلحة اللبنانيين، لأن ما يجري على الأرض فعلاً هو عكس هذا الخطاب تماماً.
الجمهور يكل ويمل
هناك واحد من استنتاجين يبرزهما خطاب الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله أمام المعتصمين في الأسبوع الأول من الاعتصام حين توجه اليهم بالشكر واصفاً اياهم بأنهم: “أشرف الناس وأطهر الناس وأحبّ الناس وأعزّ الناس” لأنهم شاركوا في الاعتصام وأتوا اليه من كل المناطق اللبنانية، فهو إما قصد القول إن الناس الذي يتوجه الاعتصام ضدهم، أي أصحاب المؤسسات والموظفون والعاملون في الوسط التجاري، ليسوا شرفاء ولا أطهار ولا أعزاء، أو أنه يقصد القول إن جميع اللبنانيين الذين لم يشاركوا في هذا الاعتصام ليسوا كذلك أيضاً. فهو يعتبر المشاركين في الاعتصام شرفاء وأطهار وأعزاء لأنهم أتوا الى الاعتصام “من أجل إنقاذ لبنان” بحسبه. وقد يكون هذا الأمر صحيحاً من وجهة نظر الأمين العام السياسية طالما أعتقد أن هذا الاعتصام سيبدل الأحوال السياسية في البلاد لصالحه ولصالح سياساته وارتباطاته الاقليمية ومخططات حزبه ومن يقفون خلفه، ولكن الكلام أن الناس احتشدوا من أجل انقاذ لبنان، لا يبدو صحيحاً بعد مرور سنة على احتشاد الناس لمدة قصيرة ومن ثم عودتهم الى حياتهم الطبيعية لتأمين قوت عيشهم بعدما تبين لهم أن الكلام السياسي الفضفاض لا يطعم قوتاً. وانقاذ لبنان في حالة ما يتصوره الأمين العام وما يبتغيه تبين أنه تعطيل لحياة لبنانيين كثر قد يوافقونه الرأي في السياسة أو قد لا يوافقونه ولكنهم في كل الأحوال متضررون من هذه السياسة، بعدما تبين أن انقاذ لبنان الذي سيتحقق بتشكيل حكومة الثلث المعطل لم ولن يحدث في القريب العاجل طالما لم يتم انتخاب رئيس للجمهورية. وعليه يصير باقي الخطاب يصب في نفس التوهم والانفعال والتوقعات التي أصابت الامين العام: “ما تقومون به أمر عظيم وشريف، لأنه يخدم هدفاً وطنياً نبيلاً وشريفاً، وهو إنقاذ لبنان من خلال إنهاء حالة الاستئثار والتسلّط والتفرّد وإقامة حكومة وحدة وطنية للمشاركة والوفاق والتوافق والتعاون”. ولو كان ما يقومون به يخدم هدفاً وطنياً نبيلاً وشريفاً لما طالبه مجلس المطارنة الموارنة بفك الاعتصام في مناسبات كثيرة ولما فكر حليفة الجنرال ميشال عون بفك الاعتصام في مرات عديدة، ولما أنفك الناس عن الاعتصام تاركينه فارغاً إلا من عدد من المحازبين والحراس الفتية العاطلين من العمل والذين يحصل كل واحد منهم على مبلغ 200 ألف ليرة لبنانية مقابل حضوره الى المخيم أربعة أيام في الأسبوع، وذلك بحسب ما أفضى الينا أحدهم.
ولكن نصر الله كان يريد منذ البداية شحذ عزيمة المعتصمين القادمين من المناطق اللبنانية حتى لا يتركوا الاعتصام مهما طال الوقت فقال لهم: “يراهنون على تعبكم ومللكم، وهم لا يعلمون أنكم شعب لا يملّ ولا يكلّ”. ولكن بعد مرور سنة على إقامة الاعتصام المشؤوم يبدو أن توقعاته لم تصب. فقد ترك الناس الاعتصام عائدين الى حياتهم الحقيقية والواقعية التي تختلف عن حياة الخطابة السياسية المتوهمة والمرتفعة النبرة. وهذا أمر طبيعي لا يعود الى استنكاف سياسي أو عودة عن رأي سياسي قام به الناس، الطبيعي هو أن يعود الناس الى منازلهم وأعمالهم وأولادهم وأهلهم في أحيائهم ومدنهم وقراهم وبلداتهم. الحياة الحقيقية تكمن خارج مخيم الاعتصام وخارج موضوع تشكيل حكومة أو عدم تشكيلها، لأن الناس الطبيعيون يعملون من أجل أن يحيوا، ويعملون بجهد في هذا السبيل ويشقون وينتظرون مستقبلهم الذي لا يريدونه قاتماً البتة، هذا بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية. لذا بلى، يكل الناس ويملون خصوصاً إذا ما كان الكلام السياسي، مجرد كلام سياسي فقط.
الآن يمكن فهم السبب الذي يجعل المخيم فارغاً إلا من حزبيين “متفرغين” من حزب الله وحركة أمل وقلة قليلة من المردة. والآن بات بإمكان زائر المخيم أن يفهم تماماً الأسباب التي تدفع بعض الشبان الى البقاء فيه وليس أقلها البطالة.
لقمة العيش المهددة بالسياسة
وفي الخطابة السياسية الموجهة الى جمهور حديدي ومركب من أطياف مختلفة من اللبنانيين ويتمسك بحبال السياسة الحزبية التي يناصرها خوفاً من الغرق الذي يوهمه بطوفانه الساسة والقادة أنفسهم، في هذا النوع من الخطابة لا بد من استثارة العواطف أي اللعب على الوتر الطبقي ذلك الذي يحشد ويستثير الهمم ويشحذها لدى جميع المستمعين من الجمهور والذين في أغلبهم من الطبقات الوسطى الى الدنيا، وفي هذه الحالة يقول الأمين العام في دعوته الجمهور الى المشاركة في الحشد الكبير الذي سيقام يوم الاحد (اللاحق على يوم الجمعة الذي ألقي فيه الخطاب قبل أقل من سنة): “كما نقول لهم في كل ليلة، سنقول لهم الأحد عصراً، سيسمعوننا في كل قصور الفريق الحاكم، من الساحات، من بيوت الفقراء، من الأكواخ، من الخيم، من البيوت المهدمة، من أحياء المهاجرين بالفقر والمهجرين بالحرب…”. في هذه الجملة يريد الأمين العام أن يقسم اللبنانيين الى فريقين، فريق من الأغنياء وهو الفريق الحاكم وبطبيعة الحال مؤيديه، وفريق من الفقراء والمعدمين الذين يعيشون في الأكواخ والبيوت المهدمة وهو فريق المعارضة وجمهوره، والاعتصام هذا هدفه في كل الأحوال دعم الفريق الأخير في مواجهة الفريق الأول وتحسين وضعه الاجتماعي والاقتصادي عبر إفقار الفريق الأول.
وفي هذه المناسبة أعرف صديقاً شارك في تلك التظاهرة وكان يستمع الى خطاب الأمين العام، وهو يعيش في حي السلم وكان يعمل في أحد مطاعم وسط المدينة كـ”elav gnikrap” وكان راتبه يبلغ الحد الادنى للأجور أي ما يساوي 300 ألف ليرة وكان يحصل ضعفها مع “البخشيش ” ما يكفيه لدفع أجرة البيت ولإعالة أمه واخته طالبة الجامعة. هذا الصديق (لن اذكر اسمه لأنه وجد عملاً في أحد مطاعم الاشرفية)، يقول إنه ندم ندماً عارماً لأنه كان يرفع قبضته عالياً أثناء خطاب الأمين العام، وكان العرق ينز منه لتأثره بما يقوله ولغضبه من هذه الحكومة التي تتفرد بالحكم. وهو يقول إنه شعر بالمهانة والذل بعد مرور عدة أشهر على ذلك المهرجان حينما أتاه صاحب العمل معتذراً منه بسبب عدم قدرته على دفع راتبه وبسبب تصميمه على إقفال المطعم الذي لم يعد يزوره الزبائن إلا في ما ندر. يحمد هذا الصديق الله لأنه وجد عملاً بعد فترة قصيرة من تبطله، ويقول إنه ما زال يوافق السيد نصر الله في مواقفه السياسية على أن لا تؤثر هذه المواقف في لقمة عيشه، لأنه حينذاك سيكون له موقف آخر.
تحقيق فادي ريحان