عام على “غزوة”.. لم تُسقط الوطن
عام جديد و”بالأفراح”. إنها ليلة الشمبانيا في جزء من وسط بيروت الاعتصام تفتح القناني بأشكال وألوان مختلفة ويتطاير محتواها فوق خيم المعارضة فرحاً بالسيطرة الكاملة على وسط بيروت. عام مختلف عن السنوات التي سبقت اعتصام المعارضة، فلا الحكومة سقطت ولا المعارضة نجحت. جاء مخاض المعارضة بعد حرب إسرائيلية دمّرت اقتصاد الوطن ومبانيه وشرّدت مئات آلاف المواطنين. حرب أعادت لبنان عشرين عاماً إلى الوراء، أتى الاعتصام ليكمل مشروع انهاء الوطن. مخاض الاعتصام لم يكن ولادة لحدث سياسي يساهم في تغيير مزاج الناس ويبدل الأوضاع نحو الأفضل. إنما أتى من ولادة غير طبيعية أنتجت مفاعيل سياسية أدت إلى موت كل ما تبقى من مؤسسات في وسط بيروت والقضاء على كل أمل في المناطق.
غزوة وسط بيروت أتت بعد أسبوع على استشهاد بيار الجميّل، وزير الصناعة. احترم القائمون على هذه الغزوة سلسلة الاغتيالات المتواصلة، والتي ساهمت في تحسين هجماتهم وتأطيرها. وقاموا بحماية القتل عبر هجوم شامل شكّل صدمة لدى من صدّق أن مقاومي الجنوب لا يغرقون بالأوحال الداخلية. مرحلة قاسية تحول فيها مقاوم يدرك اتجاه بندقيته إلى ورقة إقليمية لاسقاط الدولة وإعادة لبنان إلى عهد الحرب الأهلية.
في هذا الاعتصام لم تضع المقاومة فقط وإنما ضاع أيضاً مئات الأسرى اللبنانيين في السجون السورية. ففي وسط معمعة الخيم وكثرة عددها، نسي اللبنانيون خيمة أهالي المعتقلين في السجون السورية. فالدخول إليها يحتاج إلى أذونات من “الأمن المضاد” وحواجزه الثلاثة الموجودة لمنع اللبنانيين من فتح هذه السيرة أو الحديث عنها. في وقت تضيع قضية مئات اللبنانيين في سجون بشار الأسد ويتحولون مع أهاليهم تحت واقع الاعتصام إلى خيمة بين 500 خيمة. نجح حزب الله والتيار الوطني الحر خلال سنة الاعتصام في التغطية على قضية عمرها أكثر من ثلاثين عام، في الوقت الذي لم ينجح فيه سابقاً لا رستم غزالة ولا أي ضابط سوري في إنهاء هذه القضية أو منعها.
أهالي المعتقلين في سجون البعث السوري لا يغيبون عن خيمتهم. يحاطون بعناية تامة من سجانيهم الجدد. لم يستطيعوا القيام بتحرك جدي إلا لمرة واحدة ومع الإعلام فقط كأنه كتب لهم أن يعيشوا قليلاً مما يعيشه أبناؤهم. طارت وعود اتفاق كنيسة مار مخايل بين النائب ميشال عون والسيد حسن نصرالله، لم يُفتح الملف مع السوريين، أو أن “الأخوة” في دمشق فرضوا على حزب الله الصمت. أهالي المعتقلين الذين أرادوا أن يكونوا خارج الصراعات السياسية الداخلية لم يستطيعوا أيضاً الحصول على معلومات عن أولادهم عبر الحكومة اللبنانية، لأن الجانب السوري يرفض إعطاء أي معلومات ولأن قرارات طاولة الحوار رماها السيد نصرالله كما رمى العديد من القضايا المتفق عليها يوم بدأ عملية الانقلاب على الوطن. تضيع ملفات مئات المعتقلين اللبنانيين في “الشام” ويستمر الإعتصام في الإغلاق على هذه الخيمة التي لها مطلب محق. تبقى وحيدة ممنوعة من زيارة باقي القوى السياسية والأهلية، لا زيارات كأنها المعتقل الوحيد المقهور في هذا الزمن.
عام الاعتصام يتكوّن من 365 يوماً عدا الأيام التي سبقت التحضير له. صار للمدينة ريفها الجديد، ومضرب خيام خاص بها. “مضرب” فيه العديد من متطلبات العيش الحديث. بعض القادمين للمشاركة في هذه “العورضة”، وجدوا الكثير من الأسباب التي تؤمن لهم سبباً لإكمال القضاء على وسط المدينة بعد اليوم الأول. وجد عشّاق الشهادة في هذا الوسط حياة لم تستشهد فقرروا القيام بالمهمة عن غيرهم. أغلقوا المؤسسات بقوة المنع والمشاكل وحولوا أرصفتها إلى حواكير للّعب وقطع الأرزاق وقضاء الحاجات. للمتفرغين منهم تدفئة شتوية وتبريد صيفي. إضافة إلى الصحون اللاقطة لحضور أفلام وافق عليها شرع “قم” من باب تأمين حياة لائقة للمجاهدين على ثغور القتال في رياض الصلح وساحة الدباس. في المخيم رجال أشداء وذوو بأس، يتصدون لكل محاولات التسلل التي يقوم بها العاملون في المؤسسات. يقطعون رزقهم ويساهمون في هجرة آلاف منهم خارج وطن. لعنة مخيم ساهم في خراب بيوت الناس وتدمير ممتلكاتهم تبقى مدى عام، فيما “أشاوس” الانضباط لا يتورعون عن إعلان بقائهم في هذا الاحتلال حتى تحرير الجولان ومنطقة “الفاو”.
ضاعت مطالب المخيّم وصار يحمل مطالب جديدة. حوّل “حزب الله” وحلفاؤه أزمة لبنان من صراع على السلطة وإعادة الاحتلال السوري إلى طائفية بامتياز. شدّوا أعصاب جماهيرهم ووعدوهم بأن تسقط السرايا بأقل من أسبوع. مرّت الأيام وها هو عام ينهي نفسه من دون أن يحقق الاعتصام أياً من هذه الوعود “العرقوبية”. تحقق المقصود وهو إغلاق مؤسسات الناس ورمي العائلات في الشوارع حتى تتحسن أحوال الاقتصاد السوري وينتهي الاقتصاد اللبناني ويتم تدميره. كأنهم “بجريمتهم” يدفعون اللبنانيين إلى الترحم على سرقات المخابرات السورية والخوات التي كانت تفرضها عليهم عبر العديد من المنافذ والمخارج.
عام على المخيم ولم تذهب الحكومة، بقيت بقوة الناس، وبقيت محمية بأرواح شهداء الانتفاضة. سقط الكثير من الدم، في الثلاثاء والخميس الأسودين وسقط بعدهما الزيادان، ووليد عيدو وانطوان غانم. وبدل أن يكون لبنان صامداً أمام الصراعات الحربية، أصبحت “فتح الإسلام” خطاً أحمر. عام على الاعتصام، وتزداد وعود المعارضة بإسقاط الوطن. يقومون بتسريب معلومات عن هجمات جديدة يقومون بتحضيرها. يعدون اللبنانيين بأسوأ الأيام، ويحولون الحياة إلى شؤم ورعب. يرسمون سيناريوهات ليالٍ سود وحالكة. وينسون أن عاماً كاملاً على التهديدات لم يستطع إسقاط الحكومة ولا إسقاط الوطن.
الوطن حق والحكومة حق ولا يضيع حق خلفه جمهور 14 آذار
عمر حرقوص