#dfp #adsense

هجرة المال تلحق بالكفايات والمؤسسات

حجم الخط

هجرة المال تلحق بالكفايات والمؤسسات

مروان اسكندر

 

كلام وزير المال جهاد ازعور صحيح، ان ما يحتاج اليه لبنان هو تحقيق النمو بمعدلات تسمح باستيعاب الطاقات وخفض نسبة حجم الدين العام إلى الناتج القومي تدريجا. ولا يمكن تحقيق هذه النتيجة إلا بتشجيع تدفق الاستثمار، الامر الذي يرتهن حقا بالاستقرار السياسي كما يرتهن بالنظام الضريبي وسهولة ممارسة الأعمال واطلاقها في لبنان.


الشرطان الأساسيان لتدفق الاستثمار غير متوافرين.  فاستثمار الأفراد والمؤسسات قد انحسر، ما عدا قطاع العقارات في مناطق معينة وأهمها الواجهة البحرية لبيروت ومنطقة الاشرفية التي أصبحت، على ضيقها، ساحة بناء.


وكما رددنا سابقاً وتكراراً، ان هجرة أصحاب الكفايات على تزايد وكذلك المؤسسات الناجحة  إن في مجالات التصنيع أو في النقل أو الخدمات التعليمية أو البرامج المعلوماتية أو ادارة المخازن الكبرى التي تهاجر، بمعنى تأسيس شركات تابعة في أنحاء العالم العربي وأبعد من المدى الإقليمي.


هناك الكثير من المؤسسات اللبنانية التي اصبح نشاطها الإقليمي والدولي أضعاف اضعاف نشاطها في لبنان. ومن هذه المؤسسات مصانع الورق، ومصانع المواد الغذائية، والشركات الزراعية الناجحة، وشركات الاتصالات، وشركات برامج المعلوماتية، الخ.


منذ سنتين على الأقل بدأت تظهر مؤشرات هجرة المؤسسات المالية، أو تفرعها الى الخارج سواء في العالم العربي – في الخليج أو شمال افريقيا – أو البلدان الابعد.


وبالطبع، أهم المؤسسات المالية هي المصارف اللبنانية الناجحة في زيادة مواردها الخاصة وفي اكتساب المعارف وإتقان الاعمال المصرفية الدولية، وحيازة ثقة المؤسسات المرادفة ان في العالم العربي أو  في العالم الغربي.
ان الأمثلة على ما نشير اليه واضحة. فالمصارف تلحق بزبائنها الكبار وتنشط في المجتمعات المتمتعة بتصنيف سيادي جيد، ولبنان خسر على هذا الصعيد بسبب حرب تموز 2006، وعدم الاستقرار السياسي الذي لحق بالحرب، وتردي الإجراءات الادارية التي تقولب النشاط الاقتصادي وتشجعه أو تحد منه.


قبل شهر نشرت ميزانيات اكبر ثلاثة مصارف لبنانية وهي تحتوي على 54 في المئة من الودائع، ورؤوس اموالها واموالها الخاصة تمثل 60 في المئة من اموال المصارف العاملة في لبنان، كما ان تسليفاتها تشكل نسبة 50 في المئة من مجموع التسليفات للقطاع الخاص.


أول ما نلحظه في موازنة بنك لبنان والمهجر هو زيادة تسليفاته بنسبة 35 في المئة. ومعلوم ان هذا المصرف يمارس سياسة محافظة في مختلف مجالات العمل المصرفي، لذلك تبدو نسبة الزيادة في الاقراض لديه غير متوقعة. السبب هو ان هذه الزيادة ناتجة في المقام الاول من تزايد أعمال المصرف في سوريا والاردن ومصر ورومانيا، وجميع هذه الدول تنمو بمعدلات تفوق معدلات النمو في لبنان حيث معدل النمو طوال عشر سنين (1998 – 2007) لم يتجاوز نسبة 1 في المئة، أي اقل من نسبة تزايد السكان، الامر الذي يعني ان معدل الدخل الفردي كان على انخفاض في بلدنا في حين كان على تزايد في البلدان المشار اليها التي تتفتح فيها فرص للأعمال والنشاطات الجديدة التي تستدعي التمويل.


ارقام بنك عوده، وهو في صدارة المصارف اللبنانية، تبين ان نشاطاته خارج لبنان اصبحت تضاهي نشاطاته وتسليفاته في لبنان و تزيد عليها. ومن المؤكد ان الارباح المتأتية من المؤسسات التابعة له خارج لبنان تفوق الارباح المحققة فيه. لذا اختارت ادارة المصرف نقل المركز الرئيسي لاعمال التمويل الملحوظة الى جمهورية مصر العربية بدل بيروت. ولا غرابة في الامر لان آفاق العمل من القاهرة أوسع منها في بيروت، ولان نفقات التشغيل هناك، وخصوصا في مجال الاتصالات والطاقة الكهربائية، ادنى منها في لبنان. الخلاصة المريرة هي ان مؤسساتنا الكبرى اصبحت ترى من الانسب تركيز نشاطها خارج لبنان واستعمال قدراتها الادارية والتمويلية على شكل اكثر فاعلية في الخارج.


“بنك ميد” (البحر المتوسط سابقا) الذي يحتل المركز الرابع من حيث الموجودات، هو ايضاً وجّه موارده نحو الخارج فأنشأ مصرفا للاعمال في السعودية وتملك، بالتوازي مع “البنك العربي”، مصرفاً في تركيا.  ومعلوم ان السعودية تشهد نشاطاً اقتصادياً كبيراً، وتركيا مرشحة في رأينا للنمو المستمر بقوة طوال سنوات. لذا يبدو اختيار “بنك ميد” منطقيا قياسا باوضاع الاقتصاد اللبناني التي تعاني الركود وازدياد نسبة الديون الصعبة.


اضافة الى التوجهات المشار اليها اعلاه، يسوق “بنك ميد” صناديق استثمارية تركز على الاستثمار في روسيا والبرازيل والهند وتركيا، وتعتبر هذه الدول، إضافة الى الصين، الدول المحركة للاقتصاد العالمي في المستقبل المنظور.
اما بعد، فالسؤال الأساسي هو: متى يتحكم العقل والضمير بخيارات السياسيين فتنقشع غيوم الاستزلام والهرطقة السياسية، ويظهر ضوء الحقيقة على صورة إعطاء لبنان الحريات الحقيقية والمعاصرة نفسها ومسابقة التطور؟
ثلاثة عقود وثلاث سنوات انقضت ولبنان لا ينعم بالاستقرار، والدستور مهمل يُعتد به بين الحين والآخر لتبرير غير مقنع أو لحجب الممارسة الديموقراطية عن البلد واهله.


ان استمرار الأوضاع كما هي هو تمهيد لإفقار لبنان نهائيا من أهله وكفاياته، ولافراغه كما بدأنا نشهد حديثاً، من مؤسساته الناجحة والريادية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل