#dfp #adsense

التقرير التاسع: توكيد مسؤولية النظام الأمني اللبناني ـ السوري

حجم الخط

خوف على أربعة أنواع من الناس بينهم “متورطون ببعض نواحي الإعداد أو على علم بالجريمة” وتقديم أقوى إشارة الى وجوب نقل ملف الحريري الى المدعي العام الدولي

التقرير التاسع: توكيد مسؤولية النظام الأمني اللبناني ـ السوري

حصر دوافع اغتيال الحريري بالسياسي منها والتوقف عند مهدّديه
والصلات بين ملفه والملفات الأخرى تتأكد بتجميع تصريحات “مهاجميهم”

فارس خشّان

 

لم يسبق أن أصدرت لجنة التحقيق الدولية تقريرا عصي على فكفكة معطياته كما هو حالها في التقرير التاسع الذي أصدرته، يوم الأربعاء في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري وسائر الإغتيالات التي شملت شخصيات “ثورة الأرز”.
وفي اعتقاد أوساط قانونية، أن تعمّد “تعقيد الفهم” هو بالتحديد أخطر ما في هذا التقرير الذي يشي بعد تفكيك طلاسمه “بأن اللجنة التي يقودها حتى آخر هذا الشهر البلجيكي سيرج براميرتز، حدّدت الجهة التي أقدمت على اغتيال الحريري ومجموعة أخرى من السياسيين اللبنانيين، وهي حاليا في طور التعمق بالمعرفة لرؤية ما إذا كان النظام الأمني اللبناني ـ السوري قد استخدم في الجريمة الى جانب قواه الإنضباطية، مجموعات أصولية شبيهة بتلك التي استخدمها في مخيم نهر البارد تحت مسمى “فتح الإسلام”.


ولعل أهم مفصل في التقرير، كان في حث براميرتز الأمين العام للأمم المتحدة بالإسراع في نقل ملف الحريري الى عهدة المحكمة الدولية الخاصة في لبنان، وذلك من خلال ما أورده في الفقرة 98 التي قفز عنها كثيرون لأنه تمّ إدراجها تحت عنوان رتيب “مواضيع إدارية”، يفترض الا تلفت إنتباه سوى العاملين في نيويورك.


في هذه الفقرة المرذولة التي ظهر جلياً أنها “حجر الزاوية” قال براميرتز بوضوح: “إن وجهة نظر اللجنة هي ان مكتب المدعي العام للمحكمة الخاصة بلبنان، سيكون قادراً على بدء العمل فوراً وبفاعلية، إذا ما استطاع أن يعتمد على الخبرة المكتسبة من فريق لجنة التحقيق الدولية منذ العام 2005”.


وبهذه الفقرة أعطى براميرتز مجلس الامن الإشارة المطلوبة للمسارعة في تعيين دانيال بلمار مدعيا عاما للمحكمة ورئيسا للجنة التحقيق الدولية، مما يمكنه من نقل الصلاحيات المحصورة حاليا بالقضاء اللبناني اليه، لاتخاذ إجراءات كثيرة تبدو أنها ناضجة ولكنها “أثقل” من أن يقدم عليها القضاء اللبناني الذي يعيش في ظروف أمنية قاهرة وفي ظل ضغوط سياسية مقلقة.


وفي اعتقاد هذه الأوساط القانونية أيضا، ان التقرير الذي أكثر من “السرد المكرر” لما بات “ثابتاً في ذهن اللبنانيين” عن “المسألة التقنية”، حاول أن يمرر معطيات في غاية الأهمية “لمن يعنيهم الأمر”.
كيف ذلك ؟
في مفاصل عدة من التقرير كررت اللجنة عبارة في غاية الأهمية: “إن نطاق التحقيقات يضيق”. الأمر الذي مكنها “التعرف الى هوية مزيد من المتورطين” هذا يعني أن اللجنة لم تعد تحقق في مسارات “بعيدة عن حقيقة الجريمة والمجرمين”.
من هنا يطرح السؤال بمن حصرت اللجنة تحقيقاتها؟
في باب الوقائع التي سردت اللجنة ظروفها ولم تطرح معلوماتها، ما من إشارة وكل في باب الدوافع تكثر الإشارات، وهي على الشكل الآتي:


أولاً، باتت الدوافع تقتصر على النشاطات السياسية لرفيق الحريري في الأشهر والسنوات التي سبقت مقتله وهي تشمل اعتماد القرار 1559 والدور الممكن او المتصور الذي أداه رفيق الحريري في وضع هذا القرار وتطبيقه وتمديد ولاية الرئيس اميل لحود والأصلاح المقترح للقانون الانتخابي وكذلك وضع رفيق الحريري السياسي على مشارف الانتخابات النيابية عام 2005.


ثانياً، توصلت اللجنة الى استنتاجات مرضية في تحقيقاتها في التهديدات والتحذيرات والتطمينات التي نُقلت الى الحريري في شأن سلامته في الأشهر التي سبقت الهجوم.


ثالثاً، تتقصى اللجنة أن يكون هناك رابط، من خلال هذه الدوافع، بين قضية الحريري والقضايا الأخرى.
رابعاً، أتمت اللجنة، طوال فترة التحقيق، واجب التمعن كما يجب في الفرضيات البديلة وأخذها في الإعتبار، ومن بينها ان تكون مجموعات إرهابية قد استهدفت الحريري لأسباب ممكنة عدة، بما في ذلك واقع أنه كان شخصية قيادية في طائفته.
الأصولية احتمال “متدخل” فقط


“الإحتمال” الرابع لم تنفه اللجنة، ولو كانت التمهيدات تعني ذلك، ولكنها اعتبرت أنه عامل “متدخل” على العوامل الثابتة الأخرى، ولهذا السبب بالتحديد كتبت في التقرير أن هناك احتمالا ان تكون أكثر من مجموعة شاركت في الإغتيال، أي ان مشاركي مجموعة النظام اللبناني ـ السوري هي مشاركة ثابتة في حين ان مشاركة المجموعة الأصولية هي مشاركة ثانوية متدخلة وإمكانيتها “متحركة”.


وعلى خلفية هذا التلميح المباشر الى مسؤولية النظام الامني اللبناني ـ السوري في ارتكاب الجريمة، جاءت العوامل الحاسمة التي وردت في الفقرتين 52 و53 اللتين كشفتا عن تعمق اللجنة في معرفة الصلة التبعية التي كانت قائمة بين الاجهزة الامنية اللبنانية والأجهزة الامنية السورية في ظل “الهرمية القانونية” وفي ظل “أوامر الأمر الواقع”.
وبفعل هذه الدراسة المعمقة التي جرت من خلال جراء مقابلات مع مسؤولين سوريين ولبنانيين كبار، وجدت اللجنة نفسها تتحرك “الى إجراء إعادة تحديد إضافية لأولويات التحقيق” كما أنها “وسّعت فهمها وعمّقته للتورط المحتم للعدد من الأشخاص المعنيين بمن فيهم أشخاص تعرفت اليهم اللجنة في الآونة الأخيرة وقد يكونون متورطين في بعض نواحي الإعداد للجريمة وتنفيذها، أو ربما كانوا على علم بأنه يجري وضع مخطط لتنفيذ الجريمة”.


ومن هذا الفهم بالذات، يصبح في غاية الأهمية التوقف عند الإستنتاج الذي توصلت اليه اللجنة عندما أجرت مقارنة بين قضية الحريري والقضايا الأخرى، بحيث أوردت أن عملها منصب على قراءة من تمت تسميتهم سياسيا في وقت سابق “بالقتلة من فئة التمهيديين”.


وهذا ينطبق على معاني ما ورد في الفقرة 82 من التقرير، حيث جاء الآتي: “أولت اللجنة اهتماما خاصا للتحقيقات في الدوافع المحتملة وراء هذه الجرائم، ولا سيما في ما يتعلق بالنشاطات العامة والسياسية للضحايا في الهجمات التي استهدفت شخصيات محددة، فعلى الأرجح أنها أدت دورا مهما في تكوين الدوافع لهذه الجرائم. ومن أجل تحقيق تقدم في هذا الخيط من التحقيق ومن بين مشاريع مشتركة أخرى، أطلقت اللجنة مشروعا لتحليل الإعلام سينظر في المواقف العامة والبيانات والتصريحات والمقالات التي صدرت عن ضحايا الهجمات او المتعلقة بها. سيُطور هذا المشروع أيضا الذي سيشمل أيضا التحقيق في اغتيال الحريري”.


وخلافا لما يمكن أن يسارع البعض الى قوله، فـ”جمركة الكلام” ليس مساءلة على “حرية التعبير”، إنما هو ربط لا بد منه بين القول والعمل خصوصا بعدما توصلت اللجنة الى “فرضية وجود روابط عملانية بين بعض الفاعلين المحتملين لهذه الجرائم المختلفة”.


وبناء على كل هذه المعطيات، إنتهت اللجنة الى إبداء مخاوفها على حياة أربعة أنواع من الناس، وهم كالآتي:


1 ـ العاملون في لجنة التحقيق الدولية.


2 ـ الشهود.


3 ـ بعض المتورطين بالجريمة، من خلال قيامهم ببعض الأعمال او من خلال إطلاعهم على تفاصيل الخطة قبل تنفيذها.
4 ـ المنتمون الى كل فئة يقرر “القتلة” وجوب تصفيتها، أي المنتمون الى الفئة المناهضة للنظام السوري في لبنان، وهي حاليا من قوى الرابع عشر من آذار، وقد تكون غدا من فئة أخرى.


وانطلاقا من هذا التحديد، وبأسلوب سردي قد يحمل في طياته توصية تحذير، كتبت اللجنة الآتي: “تلفت اللجنة الى ان الأدلة التي تمّ اكتشافها في الهجوم على رفيق الحريري وبعض الهجمات الأخرى، بما فيها الإغتيال الأخير للنائب أنطوان غانم، تؤكد أن المرتكبين او مجموعة المرتكبين تمتعوا ولا يزالون بقدرات عملانية متطورة مكثفة متوافرة في بيروت واعتمدت على خبرات ومعدات وموارد محددة”.


ولأن المسألة كذلك، فإن تشتيت جهود الأجهزة الأمنية من خلال “تبرئة” النظام السوري مما يحصل في لبنان، يفترض، لمرة اولى وأخيرة، ان يتحرك المسؤولون عن الأمن في لبنان وسؤال براميرتز، عن الجهة التي يفترض تركيز الجهود عليها لوضع حد لجرائمها الإرهابية المتمادية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل