الربيع
احمد عياش
يتخيل المرء لو أن المعارضة وفصيلها الأكبر “حزب الله” اعلنت امس لمناسبة مرور عام على اقامة مخيمها الاحتجاجي في وسط بيروت، ان اليوم يختلف عن مثيله في العام الماضي، مبشرة اللبنانيين بأنها قررت ازالة المخيم لمصلحة المناخ الجديد الذي يلوح في أفق حل ازمة الاستحقاق الرئاسي. عندئذ ستكون النتائج الفورية على النحو الآتي:
– اللبنانيون في الوطن وخارجه سيشعرون بفرح عارم لزوال غم اطبق عليهم 12 شهرا. ولقالوا بكل الوسائل ان هذه هي السنونوة الاولى التي تبشر بقدوم ربيع الاستقرار الداخلي.
– سيتدفق المواطنون الى ساحتي رياض الصلح والدباس المقفلتين منذ عام لمعاينة هذا الشطر من قلب العاصمة، كما تدفق الالمان في نهاية القرن الماضي الى حائط برلين الذي انهار عندما قام مجددا من سباته مشروع اعادة توحيد بلادهم التي مزقتها الحرب العالمية الثانية.
– ستنطلق الاشارة الى كل من يهمه امر لبنان في القارات الخمس بأن ابوابه فتحت مجددا امام من يرغب في تنشق هوائه خلال الاسابيع المقبلة التي تتلاحق فيها اعياد كبرى للمسلمين والمسيحيين معاً.
ولأن اعلانا كهذا لم يصدر وبقي مجرد خيال، فان النتائج المترتبة عليه بقيت احلاما. واللبنانيون في الداخل والخارج لا يزالون على ارض الواقع الذي يؤكد ان جماعة المخيم في واد غير هذا الوادي الاخضر. انهم يفتشون عن انتصار يحمل دفعتهم. ولما كان زمن الانتصارات الفئوية قد ولى الى غير رجعة فانهم يحاولون، لعل وعسى ان يتحقق بعضها.
بكركي قالت بالامس في بيانها الغاضب: “رحم الله من قال، لا تنظر الى ما بإمكان وطنك ان يعطيك، بل الى ما بوسعك ان تعطي وطنك”. الرحمة تذهب الى الرئيس الاميركي جون ف. كينيدي صاحب هذا القول الذي قضى اغتيالا. ولكن على من تقرأ مزاميرها بكركي؟ ان الجماعة تأخذ من الوطن مهما تكن الاعتبارات كي تظفر بوعدها.
وعلى الرغم من كل ذلك، فان الربيع آت. والسنونو لن يبدل عاداته. وعلى امتداد جغرافيا الوطن وقلوب ابنائه ومحبيه في كل مكان ستبتسم الارض ألوانا وعزما واحلاما.
• • •
عدت قبل ايام من كندا حيث شاركت وزوجتي سكنة في احتفال اقيم بجامعة تورنتو لتخريج دفعة من طلابها وكان ابني الاكبر طارق بينهم وحاز شهادة الدكتوراه في الهندسة الكيميائية والكيمياء التطبيقية. وهو الآن باحث في جامعة مونتريال. مشاعر الفخر بالانجاز العلمي لا حد لها، وفي الوقت نفسه هي مشاعر الامتنان للوطن الذي هيأ الظروف لكثيرين التقيتهم وسمعت اخبارهم هناك وهم يملأون تلك الديار نجاحات في كل الحقول.
• • •
تبقى في القلب حالة الحب نحو صاحب “الميليشيا” التي ضمت عشرات الالوف الذين انتشروا في ارجاء جامعات المعمورة. انه الرئيس رفيق الحريري الذي سيبقى فضله على طارق وسائر من انخرطوا في تنظيم الحريري العلمي عندما كانت تنظيمات الحرب الاهلية وتداعياتها وفروعها البديل الايسر منالا والاكثر اجتذابا.
• • •
لا بديل من لبنان، وطن النجوم والعقول والحب. حتى اولئك الذين يتمسكون بمخيمهم وبنادقهم وانتصاراتهم الفئوية لا بديل لهم من هذا الوطن. فاذا هو نال سلاما واستقرارا وازدهارا نعموا بخيراته التي ستكفي الجميع. فليهدأ ابناء هذه الارض وليخرج سكان المخيم الى رحاب الوطن.