عسكري للرئاسة… يخرجنا من “العصفورية” الدستورية ؟
غسان تويني
أخشى ما نخشاه أن تدخلنا العصفورية الدستورية التي خلّفها عهد الرئيس لحود الميمون باب تعديل المادة 49 من الدستور على نحو يجعل رئاسة الجمهورية رتبة عسكرية طبيعية تُمنح لكل قائد للجيش عند بلوغه أجل التقاعد… وأن يكرّس ذلك عسكريتارية “بريئة” تدوم ما دام القواد الذين لا يرتكبون هفوات تبعدهم عن موقع “حل المشكل” بعسكري كلما تعذّر الخيار بين المرشحين المدنيين!
هكذا إذذاك نلج، متأخرين ومن الباب الخلفي دنيا الحكومات العسكرية التي دشنها حسني الزعيم في دمشق في أواخر الاربعينات من القرن العشرين، وصارت في دمشق ومعظم العواصم العربية المشرقية وصولا الى القاهرة، نهج حكم ينسجم مع النظرية الاميركية المستوحاة من بعض اختبارات الشرق الاقصى والقائلة بأن الديمقراطية في العالم الثالث تعجز عن إقامة دول لها مناعة ضد الفساد، فتحتاج اذذاك الى حكم عسكري يوحّد المجتمع ويحميه من التقهقر!
وتتوالى الانقلابات العسكرية التي سرعان ما يرتدي الحكام الذين تنجب البزات المدنية، شأن ما فعل الرئيس العماد فؤاد شهاب الذي اختاره “تفاهم” أميركي – ناصري لحكم اللبنان الذي كانت تمزّقه “الحرب الاهلية” في نهاية عهد الرئيس شمعون، فجيء به كمسلك يوحّد بين الفريقين المتصارعين، الفريق الناصري – الاسلامي والفريق المسيحي المؤيد لمشروع أيزنهاور الاميركي.
ورغم الخيار الدولي – الاقليمي، وموافقة الرئيس شمعون عليه، لم ينتخب الرئيس شهاب بالإجماع، ولا حتى في الدورة الأولى نتيجة تمسك العميد ريمون إده بترشيحه “انقاذاً للديمقراطية”، وكذلك لم يتقيد رئيس الحكومة السيد سامي الصلح بقرار رئيس الجمهورية، فتغيّب وعددا من وزرائه عن جلسة الانتخاب.
وجدير بالذكر أن سيارة الرئيس الصلح استهدفتها نتيجة ذلك أول “سيارة مفخخة” لعلها كانت لا تزال إختبارية إذ اخطأت الهدف وأصابة سيارة مدنية للركاب ذهب بعضهم ضحية العدوان.
ومع أن الرئيس شهاب تمكّن من تأسيس تيار برلماني – شعبي فرض انتخاب الرئيس شارل حلو خلفاً له، إلا أنه لم يتمكن من “التجديد” بالعودة الى الرئاسة لأن تكتلاً برلمانياً تكوّن حول رئيس مجلس النواب السيد كامل الاسعد الذي أصرّ، رغم وجود أكثرية نيابية شبه مضمونة، على “استئناس” الرئيس شهاب قبل طرح مشروع التجديد له، فاضطر شهاب، في الساعة الاخيرة، الى إصدار بيان يعلن فيه عزوفه عن العودة الى الحكم، لأن حكم لبنان صار يحتاج الى “إصلاح النظام”… الذي لن يقدم عليه “تمسكاً منه بالكتاب…” أي… الدستور.
وهكذا انتصرت المعارضة وفرضت انتخاب سليمان فرنجية رئيساً بأكثرية صوت واحد. وكان أول ما أقدم عليه الرئيس فرنجية، فور تأليف حكومته الاولى، إحالة ضباط “الشعبة الثانية” على المحاكمة أمام المحكمة العسكرية بتهم تتناول تدخلهم في السياسة… وهو “النهج” الذي كان قد خلّفه الرئيس شهاب و”طبَّع” اللبنانيين على تقبّله، في وجه معارضة عنيفة لعسكرة الحكم.
• • •
ومع عهد فرنجية تغلّب اللبنانيون على التجربة العسكريتارية، رغم أن الرئيس شارل حلو كان قد أعدَّ، عند تقديمه استقالته، في منتصف عهده، مرسوماً بتعيين قائد الجيش آنذاك، العماد اميل بستاني رئيس الحكومة الانتقالية… مما ساعد على تكتل الأكثرية النيابية واجتماعها في منزل الرئيس حلو لحمله على الرجوع عن استقالته. وهكذا فعل، وكانت احدى أول خطواته بعد ذلك التحرر من الاجهزة العسكرية في القصر الجمهوري التي كانت قد فرضتها عليه “الشهابية”، بمختلف سلطاتها وتشعباتها!
غير أن “الشهابية” هذه استمرّت حاضرة في السياسة، وعادت الى الحكم بانتخاب الرئيس الياس سركيس (الذي كان قد فشل في معركة سليمان فرنجية). وكان ذلك الانتخاب على أمل أن يضع حداً للحرب (التي لن نسميها، كما يفعل كثيرون، أهلية). فلم يضع انتخابه، قبل نهاية ولاية الرئيس فرنجية بشهرين، حداً للحرب، ولا وضع تسلّمه الرئاسة عند انتهاء آخر يوم من ولاية فرنجية، حداً للقصف السوري لقصر بعبدا الذي دخله سركيس، بعد أداء اليمين أمام النواب الذين استحال انعقاد مجلسهم في بيروت، فانعقد في “شتورا بارك اوتيل”، في حماية الجيش السوري “المنتشر” في البقاع، نزولاً الى حدود جبل لبنان.
• • •
هذه الاستعادة التاريخية، لماذا؟
لنبرهن أن “النظرية العسكريتارية” لا يتقبّلها لبنان ولم تصلح لحكمه، لأن العهد الشهابي، رغم اقتران تاريخه بعدد من الاصلاحات المؤسساتية التي كانت قد اقترحتها “الجبهة الاشتراكية الوطنية” قبل قيامها بما سُمي “الانقلاب الابيض” الذي أطاح عهد الشيخ بشارة الخوري (رغم كونه العهد الاستقلالي، إلا أنه زوّر الانتخابات النيابية عام 1947 ليؤمِّن مجيء أكثرية نيابية تجدّد له).
لنبرهن أن “النظرية العسكريتارية” لا يتقبّلها لبنان ولم تصلح لحكمه، لأن العهد الشهابي، رغم اقتران تاريخه بعدد من الاصلاحات المؤسساتية التي كانت قد اقترحتها “الجبهة الاشتراكية الوطنية” قبل قيامها بما سُمي “الانقلاب الابيض” الذي أطاح عهد الشيخ بشارة الخوري (رغم كونه العهد الاستقلالي، إلا أنه زوّر الانتخابات النيابية عام 1947 ليؤمِّن مجيء أكثرية نيابية تجدّد له).
وهكذا في عزّ موسم الانقلابات العسكرية العربية، جرى قلب عهد الشيخ بشارة باعلان المعارضة البرلمانية دعوة الى إضراب سلمي عام “يدوم حتى سقوط الطاغية”… فسقط الطاغية مستقيلاً بعدما عيّن حكومة انتقالية برئاسة قائد الجيش اللواء الأمير فؤاد شهاب الذي رفض إغراءات كثيرة للبقاء في السلطة بطرح نفسه على مجلس نواب كان يكون، في غالب الظن – والحسابات! – مستعداً لانتخابه، وبالاجماع. فلا الجنرال طرح نفسه، ولا فرض عليه المجلس القبول… بل دعت الحكومة الشهابية مجلس النواب الى الاجتماع خلال المدة الدستورية (وهذا ما لم يفعله الجنرال عون في الظرف المماثل عام 1988!!!) وانتخب المجلس “الخوري الاكثرية” زعيم المعارضة، كميل شمعون، للرئاسة بالاجماع بعدما انسحب له الزعيم المعارض الآخر حميد فرنجية نتيجة تحكيم برلماني بين الاثنين، كان يفترض أن يخلف فرنجية شمعون، لولا اصابته بوعكة صحية منعته من متابعة حياته السياسية.
وثمة من يقول إن حمى الطموح الى التجديد راودت الرئيس شمعون، ولكن “حرب” 1958 منعته من ذلك، وجاء إذذاك الرئيس فؤاد شهاب كحلّ “إقليمي – دولي” نظراً الى ان الحرب كانت تلك أبعادها والدوافع!
• • •
… والآن؟
الآن الرئاسة في متناول قائد الجيش، اذا استقامت الامور البرلمانية وعادت العلاقات بين الأكثرية و”المعارضة” الى شيء من النمط الطبيعي، على الخط “التوافقي”.
الآن الرئاسة في متناول قائد الجيش، اذا استقامت الامور البرلمانية وعادت العلاقات بين الأكثرية و”المعارضة” الى شيء من النمط الطبيعي، على الخط “التوافقي”.
إلا أن الذي يهمنا تسجيله هنا هو أن العماد ميشال سليمان قد رُشَّح لتعذّر الاتفاق على اختيار مرشح “توافقي” من لائحة الموارنة التي اقترحها السيد البطريرك، بعدما ضغط عليه ثلاثة وزراء خارجية كاثوليك يمثلون الاتحاد الأوروبي (ومن ورائه – ؟ – أميركا).
فهو إذاً بديل عسكري من المرشح المدني المفقود، والمنتظر منه إذاً هو أن يوظف رصيده العسكري في “حكم مدني” كان مطلوباً ولم يتيسّر. وهو ما ينتظر “المدنيون” أن يكون ضمانة التفاف الشعب حوله لأن “المسألة الأمنية” التي أورثنا إياها وحذرنا من مخاطرها “السلف الصالح” هي الهاجس الأعظم لدى المواطن العادي، الثري قبل الفقير، وكلهم طالب اطمئنان وحقوق وعدالة.
تضاف الى ذلك المسألة الاقتصادية المالية التي ثمة أزمات تحاصرها، ولكن ثمة موارد وقدرات مادية ومعنوية، داخلية وعربية ودولية، تنتظر من يقيم لتحركها وتوظيفها وتشغيلها الاطار الضروري من الثقة بالنفس وبالوطن، فضلاً عن حاجتها الى حماية داخلية وخارجية، زائد الحماية من الفساد والمفسدين، وهو الهاجس في الحكم الديمقراطي الذي أدى في منطلق عصر الانقلابات إلى اللجوء الى العسكر ظناً أن الجسم العسكري فيه من المناعة ضد الفساد ما ليس مثله في الادارات المدنية.
… وأخيراً، أخيراً، هذا الحلم الذي لا نظنه مستحيل التحقيق، أن يحترم الرئيس الآتي من العسكر قواعد الحكم المدني وينفخ فيه حيوية جديدة مستمدة من النظامية والحرص على الاصول ودقة القيام بالواجب… وألا يقع، خصوصاً، فريسة استهواء “المخابراتية” له وهي المرض العضال الذي يدّعي حماية الحكم وفي النهاية هو الذي يفترسه ويحوّل الحريات المؤتمن عليها طغياناً مميتاً.
ولا نخال الجنرال سليمان في حاجة الى من يفلسف له ترجمة ذلك في الحياة السياسية التي نأمل ان يساعد على استقامة ديمقراطيتها، وذلك باعادتها الى قواعد الحوار القائم على احترام الآخر وعدم تحويل “العائلات الروحية” التي يتكوّن منها لبنان قبائل أقصى طموحها ضرب خيامها في الشارع والساحات العامة بدل سلوك سبل الحوار العقلاني في مجالس الحكم.