مربط الفرس … في لبنان
زهير قصيباتي
زهير قصيباتي
من سخرية الأقدار ان «يطمئن» رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت اللبنانيين الى ان الرئيس جورج بوش «لن يخون» بلدهم من اجل التطبيع مع سورية. والتطبيع هنا هو بين دمشق وواشنطن لا بين دمشق وبيروت، وفي كل الأحوال ليس بين اللبنانيين من يريد ان يشتري بضاعة أولمرت، مهما تعاظمت حملات التشكيك المتبادل بين قواهم السياسية، والتي دفعت لغة التخاطب الى أسفل المراتب.
من السخرية المرّة ان يحتاج شقيق الى التطبيع مع الأجنبي، ويلح عليه ولا يترجم تفهمه حاجات التطبيع مع الشقيق الأصغر… ولو كانت الأثمان بالتقسيط. أما ما كشفته الصحافة الأميركية عن تحوّل في استراتيجية ادارة بوش، يشمل «استعداداً للتسوية مع سورية»، فلا يشكل مفاجأة إلا لدى الذين يغيّبون مبدأ تحكم المصالح برسم سياسات الدول.
وإن لم يعنِ التحول الأميركي بالضرورة، استعداداً لـ «بيع» المسألة اللبنانية مجدداً، إذا جاز القول بقبول سورية لشرائها، أو إصرارها على الشراء حماية لمصالحها او درءاً لأضرار، فالحال ان اللبنانيين بكل فئاتهم وأحزابهم وطوائفهم و «مجتمعاتهم»، ما زالوا امام المعضلة الكبرى التي تحدث عنها احد وزراء الترويكا الأوروبية في بيروت، إذ خاطبهم متحدياً: «اثبتوا ولو لمرة انكم تقررون مصيركم بأيديكم».
… بعض الجواب المخيّب يأتي في عودة بعضهم الى البحث عن جنس الملائكة، والتذاكي في مخاطبة عقول الناس بأسئلة كبيرة من نوع «أي لبنان نريد»، وهل هناك اجماع على هوية ما للبلد؟!… وبعض المخيّب ايضاً، إثر فتح نافذة امل بالخلاص من الفراغ الرئاسي، ان تنسحب لغة السجالات والاتهامات على العلاقة بين المرجعيات الدينية التي يفترض ان تترفع عن حسابات السياسة وأهلها، لتخفف ظلام المحنة، حين يسقط الزعماء أسرى في شرك التحدي.
فإذا كان بديهياً ان أي كلمة مسموعة لأي مرجعية لن تجد أذناً تصغي إلا بالتزام أولوية المواطنة على الطائفة، وتفوق «حقوق» الطائفة على أي من أبنائها، من البديهي حتماً ان سقوط المرجعية في لغة التراشق السياسي، لا يوقف مسلسل النكبات اللبنانية.
ربما وجد المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ما يكفي من المبررات من اجل الانحياز الى الرئيس نبيه بري الذي انتقده بيان البطريركية المارونية من دون ان يسميه لأنه «أغلق ابواب المجلس النيابي»، ونواب كتلته كنواب «حزب الله» يقفون في الممرات بدل انتخاب رئيس للجمهورية العالقة في الممرات العسيرة، إقليمياً ودولياً. ومن واجب المجلس الإسلامي الشيعي الدفاع عن دور الطائفة وموقعها، اما الرد على البطريركية أو أي مرجعية أخرى، بالدفاع عن الوزراء الشيعة فيعطي معادلات الطائفية أولوية على أي سياسة، بل يجعلها السياسة الأولى في تنظيم التعايش بين اللبنانيين، محكومين و «حكماء».
لا يشذ عن هذا السياق، ان تخضع أي مرجعية دينية أو مذهبية للتصنيف الثنائي بين موالاة ومعارضة، ما من شأنه ان يضيف الى ضيق الأفق اللبناني الآن علامة سوداء. للمجلس الإسلامي الشيعي ان يسجل عتباً على البطريرك صفير، أما اتهامه بالانحياز فلا يساهم في ردم حفرة الشكوك، ولا في تسهيل أي حل. وإذا كان من شأن نائب رئيس المجلس الشيخ عبدالأمير قبلان ان يطلب من الله السماح لصفير، فالغمز من قناة الموارنة عموماً فيما الشيعة «أهل لبنان قبل ان يأتي أحد من حلب واسطنبول»، بدا أقرب الى زلة لسان، أو هفوة من الشيخ قبلان، تذكّر بهفوات مماثلة ارتكبها زعماء طوائف أخرى في فترات سابقة. الدليل ان قبلان استعار امس من البطريرك دعوته الى إنقاذ البلد «قبل فوات الأوان»، وترميم الثقة بين كل المرجعيات السياسية والدينية، بأداة وحيدة هي «الخطاب السياسي الوطني التوحيدي».
وبين الشيخ قبلان والبطريرك صفير، سحابة خريف، لم تحجب مظاهر طارئة: بعد تحوّل رئيس اللقاء النيابي الديموقراطي وليد جنبلاط 180 درجة عن إصراره على ورقة انتخاب رئيس للجمهورية بنصاب النصف + 1 في البرلمان، لا يرى «حزب الله» حرجاً في عودة الوزراء الشيعة عن استقالاتهم، للالتحاق مجدداً بـ «حكومة فاقدة للشرعية». وليس مجرد مظهر عابر ان لا يهتم الحزب بجمع الحشود في قلب بيروت، وألا يخاطب السيد حسن نصرالله اللبنانيين ليحدد مسار المرحلة المقبلة، في ذكرى مرور سنة على اعتصام المعارضة… وألا تحضر «أمل» مهرجانها.
لن يكفي بالطبع، لتبرير غياب الحركة والخطاب، القول بحاجة «أمل» و «حزب الله» الى التمهيد لفك خيم الاعتصام، ما ان يُنتخب العماد ميشال سليمان رئيساً، ولا القول بأن الوقت لم يحِن لإنجاز جردة حساب بما حققته المعارضة، بعد سنة كاملة على نزولها الى رياض الصلح. اما التكهن بانقلاب التحالفات ومفاجآته، وغياب بري عن الصورة، بعد ما حصده من مرارة في بيان البطريرك، فيبقى تكهناً الى ان ينكشف «لغز» التحولات الطارئة التي جعلت ما كان مرفوضاً، مربط الفرس لكل «إيجابي» ينقذ البلد.