#adsense

الموارنة… تاريخ نضال ومقاومة- الجزء الثاني

حجم الخط

الموارنة… تاريخ نضال ومقاومة (الجزء الثاني)
إعداد: مسؤول اللجنة الإعلاميّة في القوّات اللبنانيّة (المتن – الشّمالي)
روكز مزرعاني


بعد ان استعرضنا في الجزء الأوّل، النقاط الستّ من “الموارنة تاريخ نضال ومقاومة”، نتابع في هذا الجزء ما تبقى من نقاط قيد البحث، مسلطين الضوء على أهم الأحداث التي مرّ بها الموارنة منذ تواجدهم على هذه الأرض…

 

7- الأمانات الفاشلة: كم من أمثلة يضربها التاريخ لهم أو يضربهم بها، عن تلك الأمانات الفاشلة. فها هم منذ بدء عهدهم، اعتنقوا سياسة بيزنطية ولغّتها اليونانيّة، دون أن يتخلوا عن أسلوبهم في الحياة وعن لغة سوريا السريانيّة. ثم انقطعوا عن بيزنطية وأسّسوا بطريركيّة مستقلة، ذلك عندما خان بعض ملوك بيزنطية عقيدتها واتفقوا مع الأمويّين على حسابهم، وتمّ إجلاء المردة منهم عن لبنان وبعثرتهم في أقاصي الأمبراطوريّة. (إثنا عشر ألف مقاتل، نفاهم الأمبراطور تلبية لرغبة الأمويّين). كذلك أيضًا أخلصوا الوفاء لبني أميّة في أوّل عهدهم زمن معاوية، لكنّهم عادوا فانقبضوا عن الأمويّين وعصَوا وانكفأوا في لبنان، لمّا أراد هشام ابن عبدالله الملك إذلالهم. ثمّ أخلصوا الأمانة أيضًا لبني العبّاس… واستمرّت الحلقة على مدى التّاريخ في معاملتهم الوفيّة مع الفَرنَجَة وبني سَيفا وبني مَعنْ والأمراء الشهابيّين ومصريّ إبراهيم باشا ومع تركيا نفسها…

 

8- الوفاء للغير والوفاء للذات: كانوا في كلّ مرّة، تتعارض الأمانتان ولا يجدوا لهما سبيلا، يقدّموا الوفاء للأصالة على الوفاء للصّداقة، كما يفضّل الرّاهب أولويّة نذوره لربّه على الإلتزام بمتطلبات أهله… ووفاؤهم لذاتهم يعني قيامهم بعهد الحرّية. فمن كان مع الحرّية صادقوه ووفوا بعهده وإلاّ فهم بحلٍّ منه.


كذا انتفضوا انتفاضتهم على الفرنسيّين وهم أصدقاؤهم منذ ألف عام. فكانوا أوّل المطالبين بإخراج فرنسا من هذه الدّيار، حتّى أنهم راحوا ينتفضون على كنيستهم وعقيدتهم ومجتمعهم، كلّ مرّة لم تُلبِّ الكنيسة والجماعة والمجتمع والعقيدة ما يطلبه الشّعب من حرّية. وكان اعتراضهم طَمَعًا بحرّية الفِكر والرّوح. إذ حيثما لا توجد الحرّية، لا يمكن أن تقوم بطريركيّة وأن يقوم دين أو مجتمع.


سيظلّ الموارنة هكذا، شاؤا أم أبوا. سيظلون هكذا غصبًا عن إرادتهم، وطَوعًا لطبيعتهم. وإذا قُدِّرَ أن قُضيَ عليهم بالزّوال (وهذا مستحيل)، فمتى قُضيَ على آخر واحدٍ منهم، يكون آخر رَمَقٍ للحرّية قد توقف عن الخَفقان في الشَّرق.

 

9- خبر الفيلسوف الأسير “أصلح لأن أكون حرًّا”: هذه هي بعض، لا كلّ المكوّنات التي بُنيَت عليها المارونيّة الحقيقيّة من حيث هي حركة نُسكٍ روحاني، انعكست منها بعض الأضواء على التاريخ الزّمني. وخير معبّر عن هذه الفلسفة، هو خبر ورد في قصّةٍ عند العَرب، عن فيلسوف وقع أسيرًا في يد الأعداء، فعرضه مولاه في السّوق لبيعه. فجاء رجل يشتريه. وقبل أن يسأل عن ثمنه، سأله: “ماذا تعرف أن تصنع، ولأيّ شيءٍ تصلح يا عبد”؟ فأجابه الفيلسوف الأسير: “أصلح فقط لأن أكون حرًّا”. كذا هؤلاء الموارنة الذين وقعوا أسرى في حروب الشّرق مدّة 15 قرنًا، وكمّ مرّة بيعوا واشتروا في سوق الأمبراطوريّات، حيثُ كان يُستعبَد المُستَضعفون وكلّ الأقلّيات. فكان أوّل من باعهم بيزنطية… وآخر الباعة اليوم معروفون… بينما هم لا يبرَحون يردّدون القول عينه للبائع والشّاري: “نحن لا نصلح إلاّ لشيء واحد هو الحرّية، وبدون الحرّية لا فكر ولا حياة لنا”. لا مساهمة لنا في الفكر والحياة بدون الحرّية.

 

10- ماذ كانوا يصنعون كلّ مرّة تفلّتوا من القيود: أو كيف كانوا يستعملون تلك الحرّية في الفترات المحرّرة. لو سُئلنا هكذا لأجبنا أنّها مسألة خطيرة، فيها شؤونٌ وشجونٌ كثيرة. وإنّما يكفي القَول بأنّ لكلّ حِليةٍ عيبُها ولكلّ فضيلةٍ عكسها… فكم فقرٍ أدّى الى فحش، وكم حزمٍ الى تطرّف وكم حرّية الى فوضى وكم جُرأةٍ الى تجبُّر. أهل الجبال لا يعرفون الاعتدال كالطّبيعة نفسها في الجبال. إذا عشقوا، ماتوا هوىً في سبيل وجه امرأة أو حفنة تراب من أرض… وبالحقيقة، لقد اختبر الموارنة عيوب شمائلهم ونقائص فضائلهم. فهم إذاً ليسوا ملائكة كما يتصوّرون ولا شياطين كما يُصوَّرون…

 

11- غريزة الحرّية عند هذا الشّعب، أقوى من غريزة البقاء: هذا سبب هجرتهم من إنطاكية الى لبنان. جاؤا ليتحرّروا من الجَورِ والطغيان، وتمسّكوا به ولا يزالون، لأنّه بنظرهم مساحة حرّية لا مساحة أرض… لم تكُن غايتهم بالأساس إنشاء وطن، بل الحفاظ على الكرامة والحرّية.  فرسالة لبنان كانت الدّفاع عن حرّيته ليخدم نفسه والآخرين. هكذا ساعدوا الآخرين بالحفاظ على حرّيتهم أو باستعادتها باللجوء إليه. ميزة لبنان أرادها الموارنة كيانًا قائمًا بذاته، غير مضاف ولا مضاف إليه. غير أنّ لبنان أساء الى نفسه والى الآخرين، يوم لم يكُن فيه غيورًا على هذه الحرّية. فانقلبت فيه فوضى قوّضت أساساته ودكّت معالمه وأوصلته الى ما هو عليه. (البعض من أبناء لبنان اليوم، يتجاهلون قيمة هذه الحرّية. فلبنان يجب أن يكون مستقلاًّ غير مضاف أو مضاف إليه، كما أراده ويريده الموارنة اليوم)… فهم لا يريدون تكرار مأساة إنطاكية، ليُرتكب فيه ما ارتكبه أباؤهم في إنطاكية قديمًا، من حرتقات وانقسامات وتمزّقات، كانت سبب دمارهم وستكون سبب دمارهم هم أيضًا اليوم ودماره هو… لأنّ الموارنة مسؤولون عن كيان لبنان قبل كلّ المجموعات اللبنانيّة الأخرى…

 

12- التحرّر الدّاخلي كالرّاهب: يجب أن نتحرّر من عبوديّة المال وجشع الرّغبة وشهوة التسلط والسّلطة، لنستطيع أن نحرّر، لا لبنان فقط بل الشّرق كله، فنكمل ما بدأه أجدادنا… إذ من قرع جرس الدّير، أسمَعوا الصُمّ من هذا الشّرق صوت الحرّية. لأنّ التحرّر الرّوحي هو السّبيل الأصلح للتحرّر السّياسي.

 

خاتمة: إنّ مصيبة المصائب، بالأمس واليوم، هي إنعدام الولاء الوطني اللّبناني أوّلاً. ففي بيان مشهور عام 1943، زمن الرّئيس رياض الصّلح، أسّسنا كيان دولة، كان أمرًا واقعًا، دون أن يكون لمعظم اللبنانيّين الولاء الوطني الصّرف والصحيح لهذا اللبنان… والسّؤال الأساسي المطروح، أمس واليوم، والذي هو في أساس كلّ هذه الأزمات والمشاكل: “أيّ لبنان نريد”؟ الجواب هو، في مسلك كلّ فرد منّا. لذلك لبنان لا يزال اليوم مشروعًا دون تحقيق واقعي له… فمتى الإنجاز…؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل