ميشال عون الجنرال العوني
بلال خبيز
بكركي والفاتيكان تستعجلان انتخاب رئيس للجمهورية. الموفد البابوي عند الجنرال ميشال عون والدكتور سمير جعجع، يؤكد الذهاب بخيار تعديل الدستور حتى نهايته، من اجل انتخاب العماد ميشال سليمان وفي اسرع وقت. الموالاة ترشح العماد سليمان بشكل شبه رسمي، والرئيس بري ينتظر التوافق. مصر ترحب والمملكة العربية السعودية لا تبدي اعتراضاً وواشنطن ودمشق لا تمانعان. لكن السيد محمد رعد يمانع، والجنرال عون يتظاهر ضد حكومة السنيورة التي تسطو على صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني.
طبعاً، يستطيع السيد محمد رعد ان يمانع، فهو اصلاً من تيار ممانع. ممانع ويشتبه في كل شيء، ويريد ضمانات خطية، وليس شفهية، على نحو ما قبلت الشقيقة الممانعة. ضمانات خطية لئلا يكون الجيش بين ليلة وضحاها قد اصبح في عهدة الاميركيين. الجنرال عون يرتاب في نيات الاكثرية، فربما تريد حرق الجنرال الثالث بعدما حاولت حرق الجنرال الثاني ونجحت في حرق الجنرال الاول. إذاً، فلنضع دجاجة التعديل الدستوري قبل بيضة الاجماع والتوافق، حتى يتسنى للبلد ان ينشغل في هذا الوقت الضائع، ولئلا تذهب التظاهرات اهداراً، فالجموع قد استعدت والساحات قد اختيرت والهتافات قد كتبت، ولم يبق سوى القطاف.
من حق الممانعين والمرتابين، طبعاً، ان يسبروا نيات الموالاة. من حقهم ان يفكروا ملياً قبل الانزلاق إلى فخ تريد الموالاة ان تنصبه لهم. وحيث ان الموالاة تجيد نصب الفخاخ والايقاع بالمعارضة البريئة، فالاجدى بها ربما، بدلاً من ترشيح العماد ميشال سليمان، ان ترشح الجنرال ميشال عون، ففي هذه الحال، ونظراً الى أن الجنرال عون يريد الإنقاذ مع ايّ احد، وحيث ان الموالاة لا تريد الإنقاذ، وسيكون ترشيحها الجنرال عون فخاً اميركياً معدّاً بحرفة الصاغة، فإن الجنرال عون سيرفض ترشيح نفسه وسيعتذر عن عدم إشغال المنصب شكّاً في نيات الاكثرية.
ذلك ان الرأي العميق والبعيد النظر الذي تعتمده المعارضة منهجاً وهادياً، يتلخص في المعادلة الآتية: كل من يرشحه الحريري للرئاسة يصبح حريرياً، وكل من يتفق من الموارنة مع “تيار المستقبل” يصبح سنّياً حتى لو كان البطريرك الماروني بجلالة مقامه. كان اجدى بالموالاة ترشيح الجنرال عون المرتاب، فوفق رأيه، فإن هذه الموالاة يمكن أن تزيحه بهذه الطريقة من السباق الرئاسي وان تحوّله سنّياً حريرياً. اما وان الجنرال المرتاب ثابت وباق، وسائر الجنرالات متبدلون، فلا بد والحال هذه ان نقف عند رأيه.
طبعاً، سيقول الجنرال عون رأياً موضوعياً في الأزمة الراهنة، وسيقترح ترشيح الجنرال عون للرئاسة. فالجنرال عون عوني اكثر من العونيين، وهو متحمس لنفسه اكثر من انصاره. الجنرال عون عوني، وهذه تسمية لا تبعث على الدهشة. فكثير ممن يحملون اسم عون عونيون ايضاً. والحال، يكون الجنرال عون عونياً ليس اعجاباً بشخصه، بل على الارجح اعجاباً بأفكاره. لهذا لا ينخدع الجنرال بأطروحات الموالاة التضليلية ويستمر في ما كان يزمع ان يقوم به، لئلا يدهمه الوقت وتحاصره نتائج مؤتمر السلام في انابوليس. وفي الانتظار، فلتقم الموالاة بما عليها وستقوم المعارضة بما عليها.
على الموالاة ان تقف عند رأي الجنرال عون. فمن دون الإجماع على الجنرال سليمان لا يصح انتخابه. هكذا يشترط “حزب الله” الذي كان حتى الامس القريب يعتبر الجنرال ميشال سليمان مرشحه، ان تقف الموالاة عند خاطر الجنرال عون، فإذا لم يعجبه الجنرال الثالث، يصرف النظر عن الإجماع عليه، وينعدم حظه قبل ان تنعقد الجلسة النيابية المقبلة. “حزب الله” محقّ ايضاً في ارتيابه، إذ يحق له ان يسأل: كيف انقلبت الموالاة بسحر ساحر هذا الانقلاب ورشحت الجنرال الذي اعترضت على ترشيحه او حتى التفكير في تعديل الدستور من اجل انتخابه؟! وللارتياب في ما يبدو اسباب اخرى، إذ ان “حزب الله” رشح الجنرال ميشال سليمان ليس حباً بإنجازاته الكبرى، بل نكداً بالموالاة التي كان يظن انها لن توافق عليه. اما وانها وافقت، فيجدر بسليمان فرنجية ان يتراجع عن تصريحاته السابقة، وان يحذو حذو “حزب الله” في الحذر والريبة.
وهذا لا يضير الديموقراطية “التوافقية” بحسب الرئيس السابق (اميل لحود)، الذي غمرت مآثره اللبنانيين عموماً، منذ اغتيال القضاة الأربعة في غرة عهده، وحتى اغتيال كرسي الرئاسة الأولى في خاتمته السعيدة. فالديموقراطية التوافقية لمن لا يعرفها من الاميركيين والفرنسيين تقضي بأن تنتخب المعارضة الرئيس، وعلى القوى السياسية ان تخسر في الانتخابات ليتسنى لها ان تتبوأ اعلى المناصب. ذلك ان ما تريد المعارضة الديموقراطية التوافقية في لبنان ان تثبته، ليس اقل من جعل الديموقراطية التوافقية مرادفاً للابتزاز السياسي. فالمعارضة تريد حقها في تعيين رئيس الجمهورية كاملاً ومن دون نقصان. وعلى الموالاة بمقتضى هذه الديموقراطية الفذة ان تنصاع لرغبة المعارضة في تعيين الرئيس المعارض، بل وان تمدح بُعد نظر الأقلية ليل نهار.
يمكن القول ان المعارضة اللبنانية اضافت نقطتين بالغتي الأهمية إلى علم السياسة، واحدة منها تتعلق بالديموقراطية طبعاً، واخرى تتعلق برفع سقف المسموح في الصراع السياسي، إلى حد يجعل الابتزاز وتعطيل البلاد وضرب ارزاق العباد عملاً سلمياً وديموقراطياً ولا تشوبه شائبة من اي نوع. وما الذي يبتغيه اللبنانيون افضل من هذا وارقى في الديموقراطية والنضال الديموقراطي؟ لذا يجب ان يشاركوا في التظاهرات التي دعا إليها عون، حتى يتم تحويل كل ساحات بيروت إلى مضارب معارضة.
لكن هذا كله معقول ومفهوم بشرط ان لا نصدّق ما اسرّ به أخيراً الزميل ابرهيم الامين، حين جزم بأن خوف وليد جنبلاط ناجم عن معرفته المتأخرة، بأن “حزب الله” المقاوم درّب وسلّح مئات من المقاتلين في الجبل واقليم الخروب التابعين لبعض اركان المعارضة، وبأن هؤلاء سيخوضون، إذا ما اندلعت الأزمة، حرباً شرسة ضد انصار جنبلاط في الجبل لا قِبل له بردّ شرّها. لن نصدّق الزميل الكبير، فالمعارضة لا تتبع البتة هذه الأساليب غير الديموقراطية، وهي حريصة على السلم الأهلي مقدار حرصها على هزيمة المشروع الاميركي في قضاء عاليه، وإن صح ان “حزب الله” درّب بعضاً من هؤلاء، فلأنهم اقنعوه بأنهم يريدون ضرب البوارج الاميركية في المتوسط.