أسباب انقلاب الأكثرية على مواقفها وقبولها تعديل الدستور
إصرار المعارضة على شروطها التعجيزية يكشف حقيقة نيّاتها
إصرار المعارضة على شروطها التعجيزية يكشف حقيقة نيّاتها
اميل خوري
يقول وزير في الحكومة ان سوء تصرف المعارضة وتصميمها على تعطيل اجراء الانتخابات الرئاسية بمقاطعة نوابها جلسات الانتخاب، هو الذي ادخل البلاد في مأزق ولم يعد ثمة سبيل للخروج منه الا بترشيح قائد الجيش العماد ميشال سليمان للرئاسة الاولى.
ويضيف: لقد تبين ان المعارضة، عملا بتوجيهات سوريا، لا تريد اجراء انتخابات رئاسية، بل تريد فراغا يدخل لبنان في فوضى تجعل ثمن تدخل سوريا لوضع حد لها مرتفعا، ذلك ان سوريا باتت خبيرة باشعال النار في لبنان كي تستدعى الى اطفائها وتقبض الثمن، وهو ما دأبت عليه منذ عقود.
والواقع، انه لم يكن واردا لدى الاكثرية ترشيح العماد ميشال سليمان ولا تعديل الدستور لهذه الغاية وهو موقف واضح ومعلن لها ليس انتقاصا من كفاية العماد سليمان وصدقه ووطنيته، انما باعتبار ان تجربة انتخاب قائد الجيش رئيسا للجمهورية لم تكن ناجحة خصوصا مع العماد اميل لحود. وان كانت الافضل مع اللواء فؤاد شهاب لو لم يفسدها تدخل ما كان يعرف بـ”المكتب الثاني” في كل شاردة وواردة، وقد اثار ذلك نقمة الزعماء السياسيين وجعلهم يتألبون ضد تصرفات ضباط هذا المكتب وطلب احالتهم على المحاكمة وافشال سعيهم للتجديد للرئيس شهاب.
ان تنفيذ مخطط سوريا باحداث فراغ رئاسي بواسطة حلفائها في لبنان، هو الذي جعلهم يرفضون كل المرشحين للرئاسة الاولى بمن فيهم اولئك المعروفون بعلاقتهم الجيدة مع سوريا، وقد اضطرت الاكثرية النيابية الى التخلي عن مرشحيها بطرس حرب ونسيب لحود والقبول بمرشحين اعتبروا توافقيين سماهم البطريرك صفير لتفادي حصول فراغ رئاسي تكون نتائجه مدمرة. وهؤلاء المرشحون هم: ميشال الخوري، ميشال اده، روبير غانم. فعندما طرحت الأكثرية اسم المرشح ميشال الخوري، قالت المعارضة انها لا تقبل به لانه من اركان “لقاء قرنة شهوان” وهو قريب من قوى 14 آذار. وعندما طرحت اسم المرشح روبير غانم قبل به بعض المعارضة ولم يقبل به البعض الآخر بدعوى انه من قوى 14 آذار ولم يبتعد عنها الا قبل اشهر من موعد الاستحقاق الرئاسي. وعندما طرحت المعارضة اسم المرشح ميشال اده قبل به بعض الاكثرية وتحفظ عنه البعض الآخر، وعندما زال هذا التحفظ اصبح هذا المرشح مرفوضا من المعارضة الا بشروط وردت في مبادرة العماد ميشال عون.
كل هذا يدل على ان سوريا فضلت الفراغ الرئاسي في لبنان على اي مرشح في ظل الوضع الراهن، لان لا شيء يعطل مسار المحكمة ذات الطابع الدولي سوى هذا الفراغ، ولا شيء يأتي برئيس للجمهورية على صورة الرئيس اميل لحود ومثاله سوى اجراء انتخابات نيابية مبكرة بتحالفات جديدة تضمن فوز حلفاء سوريا باكثرية المقاعد النيابية.
ورغم دعوة البطريرك صفير النواب ولا سيما المسيحيين منهم لحضور جلسات انتخاب رئيس الجمهورية وعدم مقاطعتها لانها تشكل مقاطعة للوطن، ورغم تكرار المطارنة الموارنة في بياناتهم هذه الدعوة، فان النواب المسيحيين في المعارضة لم يستجيبوها واستمروا في مقاطعة هذه الجلسات وذلك باسم حقهم في الممارسة الديموقراطية… وحقهم في التغيب عن الجلسات، غير مقدرين خطورة ذلك على البلاد في الظروف الدقيقة والحساسة التي تمر بها مع استمرار الاعتصام في وسط بيروت و”الاحتفال” لذكرى مرور سنة على اعتصام لم يحقق شيئا سوى الحاق الضرر بمصالح الناس وموارد رزقهم وهو احتفال بفشل الاعتصام. هذا التصرف اللامسؤول واللارصين اثار غضب بكركي فكان البيان العنيف لسيدها الذي قال فيه ما يجب قوله بصراحة ووضوح، لان ساعة الحقيقة عندما تدق، فان بكركي هي دائما حاضرة لاعلانها وان كانت تجرح احيانا وان من يتجاهل مواقفها يتحمل العواقب والنتائج.
اما الاكثرية النيابية التي وضعتها سوريا وحلفاؤها في لبنان امام الفراغ الرئاسي والفوضى، وطلبت منهم التباكي على هذا الفراغ الذي كان من صنعها وذرف الدموع على حقوق الطائفة المارونية، وجدت نفسها مضطرة الى تقديم مزيد من التنازلات من اجل مصلحة الوطن وحماية لوحدته وصونا لكيانه، فبعد ان تنازلت عن مرشحيها بطرس حرب ونسيب لحود وقبلت بمرشحي توافق حتى القريبين من سوريا وحلفائها في لبنان، ووجدت ان الفراغ لا يزال هو المرشح المفضل لدى سوريا وحلفائها، قررت هذه الاكثرية عندئذ الانقلاب على مواقفها السابقة والقبول بتعديل الدستور لمصلحة قائد الجيش العماد ميشال سليمان عل ذلك يكون السبيل لاخراج لبنان من المأزق ووضع حد لاستمرار فراغ رئاسي قد يكون مدمرا للوطن.
وقد فوجئ حلفاء سوريا في لبنان بهذا الموقف غير المتوقع، فارتبكوا وراحوا يصورونه على انه قد يكون فيه مناورة والا كان على الاكثرية ان تقدم اقتراحا بذلك وان تعالج التعقيدات الدستورية التي تعترض وصول العماد سليمان لمنصب الرئاسة الاولى، وقد اكتفى “حزب الله” بالقول انه مع الموقف الذي يتخذه العماد عون الذي ايد ترشيح العماد سليمان لكنه ربط هذا التأييد بمبادرته التي تجعل الولاية انتقالية ومدتها سنتان فقط اضافة الى امور اخرى واردة فيها قد يحتاج الاتفاق عليها الى وقت لا تستطيع البلاد في ظروفها الدقيقة انتظار حصوله.
وبعدما اتخذت الاكثرية قرارها بتأييد ترشيح العماد ميشال سليمان للرئاسة الاولى واقتراح تعديل المادة 49 من الدستور لهذه الغاية، باتت الكرة في ملعب المعارضة التي قد تجعل من التعديلات الدستورية ومن وجود حكومة غير شرعية عقبة تؤخر انتخاب رئيس الجمهورية او تجعل من شروطها المسبقة وهي شبه تعجيزية وربط تأييدها ترشيح العماد سليمان الاخذ بها وهي تتعلق بمعرفة رئيس الحكومة المقبل وحصتها في الحكومة والحقائب الوزارية الاساسية فضلا عن التعيينات في المراكز المهمة في الدولة لا سيما الأمنية والعسكرية منها، اي ان هذه المعارضة تريد استباق الاصول المتبعة بموجب الدستور لعرقلة او تأخير اجراء الانتخابات الرئاسية ما امكن.
ويختم الوزير نفسه بالقول ان الضرورات الوطنية تبيح المحظورات وتجعل الدستور في خدمة الشعب، وليس العكس، ولا بد ان تنكشف حقيقة النيات وتنتهي المناورات السياسية هذا الاسبوع، ويظهر الخيط الابيض من الخيط الاسود وتعرف الجهة التي قد تكون تفضل استمرار الفراغ المخيف على اي مرشح.