نقطة ارتكاز للمساومة… أم للفراغ ؟
سركيس نعوم
اكثر من مرة خذل فريق 8 آذار حليفه الابرز، الذي ظن البعض انه صار جزءاً منه، “الجنرال” ميشال عون زعيم “التيار الوطني الحر”، وخصوصاً منذ اتخاذهما مجتمعين قبل نحو سنة قراراً بحسم الاوضاع الداخلية وتصحيح الامور عبر اطاحة حكومة الرئيس فؤاد السنيورة والامساك بالبلاد بواسطة الاكثرية المسيحية الساحقة التي يمثلها “التيار” والاكثرية الشيعية الساحقة التي يمثلها “حزب الله” وحركة “امل” والاقليات الدرزية والمسيحية والسنية وعدد من الاحزاب التي بعضها عريق والآخر مصطنع والجاهزة لاعطاء اي تحرك نكهة وطنية ما.
المرة الاولى، وقد تكررت كثيراً ، كانت احداث التغيير المطلوب وان بواسطة الشارع مع الاخطار التي يرتبها ذلك. وكانت دائماً تقع على عاتق “الجنرال” مهمة “زف خبر” هذا التغيير الى اللبنانيين وتحديدا الى انصاره ومؤيديه. لكن اي تغيير مؤمّل لم يحصل. فعاش جمهوره وجمهور 8 آذار قلق الخيبة والاحباط. ولم يكن في استطاعته سوى ان يكتم غيظه لمعرفته ان القادر على التغيير لم يقرر تنفيذه لاعتبارات عدة بعضها داخلي وبعضها الآخر اقليمي. والمرة الثانية، وقد تكررت مرات، كانت اعتبار “الجنرال” المرشح الاول بل الوحيد لـ8 آذار في انتخابات رئاسة الجمهورية، وكانت ايضاً البحث مع الفريق الموالي المعروف بـ14 آذار ومع اصحاب المبادرات الخارجية من عربية واجنبية عن رئيس توافقي للدولة. ويعرف الجميع وهو في مقدمهم انه ليس توافقياً رغم كل ما قال ويقول، وان البحث تالياً كان جارياً عن غيره، وان الاصرار على ترشيحه كان لاخافة الآخرين ودفعهم الى تليين شروطهم بحيث يقبلون رئيسا او بالاحرى مرشحاً للرئاسة من غير صفوفهم يتمتع بصفات معينة تجعله مقبولاً منهم مثل الحياد مثلا بين اطراف الداخل، وعدم الابتعاد عن الحلفاء الاقليميين او بعضهم. ورغم كل ذلك استمر العماد عون متمسكاً بمواقفه القصوى من كل قضايا الداخل. ولم يجر اي مراجعة لها ولمواقف حلفائه وللواقع الفعلي في لبنان وللواقع الاقليمي والدولي، ولارتباط الاستحقاق اللبناني بالتفتت الداخلي الشنيع وبالصراع الخارجي “الاشنع” الذي اتخذ من لبنان ساحة، ومن شعوبه ادوات، ومن استحقاقاته المهمة مناسبات لمعارك بالوكالة غير فاصلة او حاسمة وان قادرة على تعزيز “نقاط” هذا الفريق في الصراع او ذاك.
لماذا هذا الكلام الآن؟
ليس لجرح “الجنرال” عون وايلامه، ولا لـ”الحطّ على عينه” كما يقال بالعامية. فهو زعيم مسيحي وطني حقيقي بدليل استمرار قسم كبير من شعبيته التي كانت كاسحة معه رغم بعض الخيبات من سياسته الداخلية والخارجية منذ عودته من منفاه ونضاله من اجل استقلال لبنان من منفاه الفرنسي طيلة 15 سنة، ولا نذكر فترة رئاسته الحكومة الانتقالية لاننا كنا نعتقد ولا نزال ان نياته كانت طيبة واهدافه وطنية لكنه سلك طريقاً خاطئة لتحقيقها ولم يضع خطة تنفيذية لها، لا يمكن ان ينكر له او ينكره الا كل جاحد.
كما انه ليس لزرع الفتنة والشقاق بينه وبين حلفائه الحاليين، وفي مقدمهم “حزب الله”، رغم اقتناعنا واقتناع الكثيرين بانه اعطى الحزب اكثر مما اخذ ومن رصيد لبنان وليس من رصيده، علما ان رصيده صار مجيّراً لهذا الحزب في شكل او في آخر. فنحن قلنا منذ البداية ان اي اتفاق او تفاهم بين فئات مسيحية ومسلمة يساعد في تنفيس الاحتقانات الطائفية. لكننا لم نكن نعلم، وإن كنا نشك، ان ذلك سيكشف المذهبية الراسخة في البلاد ويعرض الوطن لاخطارها المميتة. بل هذا الكلام الآن هدفه دعوة الجنرال الى التبصر وتفحّص الواقع بكل ابعاده بعد وضع طموحاته جانباً الى حين وذلك كي لا يتكرر معه ما حصل قبلا وهو الاعتماد عليه بغية تحقيق اهداف ما كان تحقيقها ممكنا لو بقي ضمن فريق 14 آذار او على الحياد بينه وبين 8 آذار أو جسر تواصل معه.
فهو الآن “نقطة ارتكاز” 8 آذار لن تجد ازمة الاستحقاق الرئاسي حلا من دون اللجوء اليها بل موافقتها على حد قول قادته. طبعاً لا يعني ذلك التمسك به رئيساً او مرشحاً للرئاسة، بل التمسك بما يمثّل وبمعارضته لتحسين شروط التوافق مع المرشح الجدي الجديد العماد ميشال سليمان، او لتبرير استمرار الفراغ وتحميله جزءاً كبيراً من مسؤوليته. ولذلك عليه اعادة النظر في شروط “الموسكوب” التي وضعها للمرشح سليمان وابرزها الاستقالة بعد سنتين والتي اكدها بعد ظهر امس. فهذا امر لا يوافق عليه المسيحيون على وجه الاجمال وخصوصاً ان احداً لا يضمن التطورات في لبنان والمنطقة، ولا يضمن في الوقت نفسه وصول الجنرال الى قصر بعبدا اواخر 2009 او مطلع الـ2010.
طبعاً قد يستنتج البعض من هذه “المطالعة” ان حسم الاستحقاق الرئاسي سلبا او ايجاباً هو في يد “الجنرال”. والحقيقة ليست كذلك. فهو ليس في يده كما انه ليس في يد حلفائه وأقواهم “حزب الله”. انه في يد المحور الاقليمي الداعم لحلفائه مباشرة وله مداورة اي عبرهم سواء كان ذلك بعلمه او من دون علمه. وهؤلاء لم يعطوا كلمتهم النهائية بعد. فداخل الادارة السورية كان هناك رأيان، واحد يدعو الى ترك الفوضى تعم لبنان، وآخر يدعو الى تسهيل الامور في لبنان باعتبار انه “سينضج” لوحده مع الوقت والظروف ويقع مجدداً في حضن سوريا وهذا ما حصل في السنتين الاخيرتين. ورجح الرئيس بشار الاسد، الرأي الثاني ولكن من دون ان يؤكد انه سيغضب او سيحزن اذا ساد الرأي الاول. اما داخل ايران فلا نعرف اذا كان حضور الرئيس محمود احمدي نجاد قمة مجس التعاون الخليجي سيساهم جانبياً في حلحلة الموضوع اللبناني بالتفاهم مع السعودية رغم انه ليس البند الرئيسي على طاولة البحث. وطبعاً يستطيع “الجنرال” وحلفاؤه واخصامهم ان ينتظروا هذه الكلمة الاقليمية التي قد تنهي وطنهم او تحييه اصطناعياً تمهيداً لشفائه التام او للاقرار بعجزه عن الشفاء. لكنهم يستطيعون ايضاً، وهذا افضل لهم ولوطنهم، ان يتفاهموا على الحد الادنى قبل اتخاذ الخارج كلمته لانها لا تكون دائماً لمصلحة لبنان ولأن خسارة اي “شعب” في لبنان ستؤدي حتماً الى خسارة لبنان كلا، فهل يفعلون؟