يا مسيح!
راجح الخوري
عشية عيد الميلاد ووسط هذه الازمة المصيرية المتفاقمة التي دُفعت دفعا الى النفق المظلم مرة أخرى باسم ما سُمي “وثيقة الطروحات المسيحية”، ربما لا تستدعي وصول الوزير برنار كوشنير بل نحن بحاجة فعلا الى نزول سيدنا يسوع المسيح حاملا مرة اخرى السوط ليطرد التجار والواهمين والغوغائيين والانتهازيين والوصوليين من داخل الهيكل قبل ان ينهار السقف اللبناني على رؤوس المسيحيين خصوصا واللبنانيين عموما.
فلقد وصلت الامور الآن، بعدما تنفست البلاد الصعداء مع اعلان الاكثرية قبول تعديل الدستور لمصلحة قائد الجيش ميشال سليمان وصلت مرة اخرى الى الحائط المسدود. اكثر من ذلك يتم الآن المضي في ذبح حقوق المسيحيين عبر استمرار الفراغ في رئاسة الجمهورية و”بسكاكين” يقال انها حرص على حقوق المسيحيين وسعي لاستعادتها.
ربما يحتاج المواطن المسيحي العاقل في هذا البلد المتعوس الى الوقوف على يديه لا على رجليه لكي يفهم ما يقال في هذا السياق الاشد غرابة في تاريخ الازمة وتاريخ “المؤزّمين” من ذوي المواهب والاختصاص في هذا المجال.
ولا ندري كيف يكون الحرص على حقوق المسيحيين، عندما تُطرح سلة من الشروط والاجراءات التي يفترض ان تسلّم بها الاكثرية قبل تعديل الدستور وقبل انتخاب قائد الجيش، وهي شروط تحاول ان تكبّل العماد ميشال سليمان قبل وصوله الى سدة الرئاسة ولكأنه بوذي او من اهل السيخ لا مارونيا ناصعا ومسيحيا مؤمنا مثل غيره إن لم يكن اكثر بكثير.
وقبل الحديث عن التكبيل يجب الحديث عن ذلك الاصرار العجيب على الاجتزاء. اي اجتزاء ولايته لتصبح سنة وسبعة اشهر فقط بدلا من ست سنوات كما يقول الدستور. وهو اجتزاء لا يمزق المنطق الدستوري فحسب بل يستسهل إلحاق التقزيم بالمقام الرئاسي الماروني والمسيحي وكل ذلك بحجة الحرص على حقوق المسيحيين.
ثم ليس واضحا اطلاقا لماذا الاصرار على حرمان العماد ميشال سليمان من الحق الذي اعطاه اياه الدستور كرئيس ماروني لاجراء استشارات نيابية ملزمة لاختيار رئيس الحكومة، ثم للتفاهم معه في مسألة تشكيل الحكومة العتيدة، وهو ما يفرض اطلاق حوار وطني شامل يضع البلاد على سكة الحل.
واذا كان المطلوب تسمية القائد الجديد للجيش وقادة الاجهزة الامنية اضافة طبعا الى توزيع الحقائب الوزارية الآن قبل التعديل والانتخاب، فهل كثير الافتراض ان هناك من يريد او من لا يمانع في ان يكون الرئيس الماروني مجرد موظف تشريفات او باش كاتب عند اولئك الذين يفترضون ان أختام المسيحية والموارنة تحديدا تنام في جواريرهم وبالمناسبة ليس كل المسيحيين موارنة وليسامحنا مار مارون اذا صلّبنا بالثلاثة!
لا ليس هناك من يقبل ان يكون العماد سليمان رئيسا للجمهورية مكبلا هو او غيره. يجب ان يصل حرا ليحقق رمزية المشاركة المسيحية في السلطة، وليصير فورا المرجعية المسيحية الاولى او بالاحرى كاردينال الموارنة السياسي، وهو المطلوب منه صراحة ومنذ الآن ان يرعى حوارا فوريا لجمع الصف المسيحي لان وحدة هذا الصف هي المدخل الارحب والاهم الى الوحدة الوطنية الاشمل.
ان استعادة دور المسيحيين تبدأ من مكان حصري واحد في هذه الظروف المصيرية التي تهدد البلاد بالفراغ والمقام الرئاسي بالضياع. انها تبدأ بانتخاب رئيس جديد وقد اجمعت كل القوى على العماد ميشال سليمان، وان تكن القوى الاساسية للمعارضة تتبع منطق “نعم ولكن” في محاولة للوقوف وراء الجنرال عون، او التلطي وراء ما اطلق عليه استنسابا اسم “وثيقة الطروحات المسيحية اللبنانية”.
ومع احترامنا العميق لجميع الذين ذهبوا الى الجنرال عون في الرابية، هناك نصف المسيحيين او اكثر لا يوافقون على هذه الوثيقة ولا على طريقة إعدادها وليسوا من اهل البصم عليها!
واذا كان عون وهو رجل حوار ومحاججة على ما يقول عادة (ولو احتفظ بشرر خاص لاهل الاعلام) اذا كان فعلا يؤمن بالديموقراطية التوافقية على ما يكرر منذ عامين واكثر، فلماذا يطالب بهذه “الديموقراطية” على المستوى الوطني ويرفضها على المستوى المسيحي؟
واذا كان على الاكثرية النيابية ان تقف وتقول له ولحلفائه في “حزب الله” و”حركة امل” وكل الآخرين: امرك سيدنا.
فلماذا يتجاهل واجب التوافق مع الـ40 في المئة من المسيحيين وفق حساباته، ويعتبر ان عليهم اطاعة الاوامر النازلة من الرابية حيث “البطريرك السياسي” ورجل القرار الاوحد والسلام لاسمه؟
لقد حارب عون في حينه ما اعتبره “امارة القوات وسمير جعجع” تحت شعار توحيد البندقية او “حرب الالغاء”، في حين كانت بنادق الاشتراكيين و”الأمليين” وغيرهم تملأ البلاد، والآن عندما ترتفع اصوات المسلمين جهارا او همسا بعد قراءة موقفه على الاقل في “وثيقة الطروحات المسيحية اللبنانية”، وتتهمه بانه يذهب الى حد المطالبة غير المباشرة بالفيديرالية، فهل من حقه ان يغضب ويثور ويتهم الناس كما هي العادة بالتجني عليه؟
لا داعي الى الاجوبة طبعا، لكن من الواضح ان الفراغ المتمادي في رئاسة الجمهورية هو الذي يهدد حقوق المسيحيين ويعرض لبنان الى ابشع الاخطار، ويترك البلاد في يد الحكومة الحالية التي يطالب عون بنصب المشانق لمعظم اعضائها!
ان وضع عربة الشروط وما فيها من مطالب عون و”حزب الله” و”حركة امل” وما يصل خصوصا من وراء الحدود، امام حصان الانتخاب الرئاسي، يشكل عمليا مزيدا من تضييع حقوق المسيحيين ودائما بحجة الدفاع عنها. وصدق او لا تصدق!