نقاط اعتراضية هادئة على وثيقة الرابية
وسام سعادة
وسام سعادة
تعطي مقدمة “وثيقة الرابية” الانطباع بأن الخطاب السياسي للركن المسيحي في المعارضة يعود عن النظرة الخاطئة التي راجت حول الميثاق الوطني والتي أعادته الى عقد كفاية قائم بالمثالثة بين الموارنة والشيعة والسنّة، ومستند في عمومه الى فكرة “تحالف الأقليات”، ومستند في خصوصه الى محاصصة لا شأن لها بالأصول الميثاقية للنظام الدستوري.
تعيد مقدمة “وثيقة الرابية” الاعتبار للميثاق الوطني كمسؤولية حضارية “مسيحية ـ اسلامية” مشتركة، ما يفترض، بالتالي، تنظيم القواعد الراعية والحافظة والمجددة لتلك المسؤولية، بين المسيحيين، مأخوذين في كليتهم، وبين المسلمين، مأخوذين في كليتهم، ما يقضي بتنزيه الميثاق بحد ذاته عن قواعد المحاصصة. الميثاق يضبط قواعد المحاصصة، لكن اختلال المحاصصة على افتراض أنه حصل، ليس يكفي وحده لاختلال الميثاق، أو لتجويز الاستخدام الأرعن للفقرة ياء من مقدمة الدستور، التي سبق للكبير ادمون رباط أن حذّر من سوء استخدامها كيفما اتفق.
تعيد مقدمة “وثيقة الرابية” الاعتبار للميثاق الوطني كمسؤولية حضارية “مسيحية ـ اسلامية” مشتركة، ما يفترض، بالتالي، تنظيم القواعد الراعية والحافظة والمجددة لتلك المسؤولية، بين المسيحيين، مأخوذين في كليتهم، وبين المسلمين، مأخوذين في كليتهم، ما يقضي بتنزيه الميثاق بحد ذاته عن قواعد المحاصصة. الميثاق يضبط قواعد المحاصصة، لكن اختلال المحاصصة على افتراض أنه حصل، ليس يكفي وحده لاختلال الميثاق، أو لتجويز الاستخدام الأرعن للفقرة ياء من مقدمة الدستور، التي سبق للكبير ادمون رباط أن حذّر من سوء استخدامها كيفما اتفق.
بيد أن هذا الانطباع الذي تجيزه السطور الأولى سرعان ما يتلاشى حين تعود الوثيقة للتسليم بأن الحكومة افتقدت “لشرعيتها الميثاقية مع خروج الوزراء الشيعة منها”. لنا أن نسأل هنا كاتب الوثيقة، على أي سند يقيم الرابطة بين “تغييب” من أسماهم “الممثلين الحقيقيين للمسيحيين” عن الحكومة، وكل واحد يمكنه أن يسمّي نفسه ما شاء، وبين “خروج” الوزراء الشيعة من الحكومة، معتبراً أن هذا الخروج، لا التغييب السابق عليه، هو الذي يسحب الشرعية عن الحكومة بمجرّد حدوثه. هذا، مع اغفال واقعة أن وزراء الفريق الشيعي استمرّوا في الحكومة لعام ونصف العام من دون أن ينكروا شرعيتها لأن من تصفهم وثيقة الرابية بـ”الممثلين الحقيقيين للمسيحيين” قد غيّبوا منها، منذ البدء. زد على ذلك، أنه، من أوجه المفارقة الناشئة عن “خروج” الوزراء الشيعة من الحكومة أنها صارت بأكثرية مسيحية ساحقة، وبالتالي فإن السبيل الوحيد للحكم بلاميثاقيتها حسب الفهم التثنوي “المسيحي ـ الاسلامي” للميثاق، هو أن تجتمع المذاهب الاسلامية بشكل مجمل على الاقرار بأن ثمة أرجحية مسيحية في الحكومة.
هذا ان أردنا الاحتكام الى الميثاق. أما بالاحتكام الى الدستور، فكل ما يمكن قوله أن هذه الحكومة هي في حال “مخالفة للدستور” ليس لأنها لم تستقل يوم قدم وزراء استقالتهم منها، وعددهم دون الثلث، وكانوا يطالبون في الأصل بأن يعطى لفريقهم السياسي ما يزيد عن الثلث ولأجل ذلك استقالوا. انما الحكومة واقعة في حال “مخالفة للدستور” نظراً لعدم القدرة على البت في الاستقالات، وهذا أمر يستوجب بالتالي طرح الثقة بالحكومة في المجلس النيابي، فلماذا لم تدع المعارضة المجلس النيابي للانعقاد منذ سنة ونيف وإلى الآن، من أجل طرح الثقة بالحكومة، فإن طرحت بها الثقة اعتبرت مستقيلة حكماً، وان لم تطرح، ما عاد بالامكان، في النظام الدستوري والسياسي اللبناني محاسبتها على “المخالفة الدستورية” المتمثلة بعدم القدرة في البت سلباً أو ايجابياً في موضوع الاستقالات الوزارية بعد إصرار الوزراء على عدم الرجوع عن استقالاتهم وعدم اعترافهم بوجود الحكومة.
بيد أن “وثيقة الرابية” سرعان ما تعود الى الفهم الثنائي للميثاق، كميثاق بين المسيحيين جملة والمسلمين جملة، وهذا عندما تستهجن الوثيقة أن تتبوأ الزعامتان الشيعية والسنية منصبي رئاسة مجلس النواب والحكومة، في حين لا يعطى المسيحيون مثل هذا الحق، في ما يلي زعامتهم. وهنا يمكن مناقشة نص الوثيقة بتسجيل اعتراضات ثلاثة.
أولها، انه لو ماشينا منطق الوثيقة، لقلنا إن نظير العماد عون في الطائفة الشيعية هو السيد نصر الله، وإن نظيره في الطائفة السنية هو النائب سعد الحريري، وليس أيٌ منهما رئيس مجلس أو رئيس حكومة. صحيح أن رئيس الحكومة من التيار نفسه الذي ينتمي اليه النائب الحريري، لكن رئيس المجلس النيابي من حركة مختلفة في تاريخها وحاضرها عن الحزب الأكثري في الطائفة الشيعية، أي حزب الله، ولو كانت متحالفة معه، وحريصة على التمايز قدر حرصها على وحدة الطائفة.
النقطة الثانية التي يمكن مناقشتها، بشكل هادئ مع كاتب الوثيقة، هي أنه ثمة اختلاف بيّن بين الحالة المسيحية والحالتين الشيعية والسنية. في الحالة الشيعية، لم ينظّم الاعتراض على التحالف الأكثري في هذه الطائفة بشكل جدي وقادر. وفي الحالة السنّية، ليست تصل الحالات الاعتراضية على زعامة آل الحريري وتيار المستقبل بدورها الى تشكيل قطب وازن، ولو كان أقلوياً. أما في الطائفة المسيحية، فإن المعترضين على العماد عون يشكلون مثل هذا القطب الوازن بصرف النظر عمّا اذا كان العماد عون له الأكثرية الساحقة أو المطلقة أو النسبية أو المائلة الى التناقص أو غير المستقرّة بين المسيحيين. بالتالي، فإن قاعدة “الاجماع” المحققة شيعياً وسنياً ودرزياً، ليست محققة، مسيحياً، فكان الأحرى بالوثيقة أن تضيف بنداً تشرح فيه لماذا لم تتوصل الأكثرية المسيحية التي تنسب للحالة العونية الى تحقيق “الاجماع” المحصّل سياسياً في المذاهب الاسلامية؟
أما النقطة الثالثة، فهي تتصل بموقع رئاسة الجمهورية. كيف تريد الوثيقة أن تكون رئاسة الجمهورية هي الرئاسة الأولى، والرئاستان الثانية والثالثة تخضع لها، وتصرّ في الوقت نفسه، على أن ينطبق معيار “ترئيس” زعيم الطائفة أو من يسميه زعيم الطائفة، عليها. معنى هذا أن الوثيقة لا تطالب بأن يكون رئيس الجمهورية هو المسيحي الأقوى أسوة بالحالتين السنية والشيعية فحسب، بل أن يكون المسيحي الأقوى هو اللبناني الأقوى، فكيف يمكن أن ينسجم ذلك مع قواعد العمل بموجبات الميثاق.