لبنان يواجه خيارين: إما رئيس انقاذي وإما فراغ انتحاري
كتلة بري ونصف كتلة عون تؤمنان نصاب التعديل
كتلة بري ونصف كتلة عون تؤمنان نصاب التعديل
اميل خوري
بعدما عطلت الاكثرية الموالية خطة اغراق لبنان في فراغ رئاسي مفتوح على كل الاحتمالات باعلان ترشيحها العماد ميشال سليمان للرئاسة الاولى، عمدت الاقلية المعارضة ردا على ذلك، بمحاولة تفريغ الاكثرية من قوتها العددية والدستور من احكامه واخضاع رئيس الجمهورية العتيد لشروط وشروط مضادة وهو ما يتعارض مع المطالبة بتوفير عناصر القوة للرئيس عبر الثقة المطلقة به ليكون حرا او غير مقيد بشروط من اي طرف.
والسؤال الذي يطرحه نواب في الاكثرية على المعارضة ومطلوب جواب واضح وصريح عليه هو: هل تؤيد العماد ميشال سليمان ليكون رئيسا للجمهورية من دون لف ولا دوران؟ اذا كانت صادقة ومخلصة في تأييدها، ولها ملء الثقة به، فليس لها ان تضع شروطا مسبقة ومطالب قد تكون تعجيزية او يحتاج التفاهم عليها الى وقت لا تسمح دقة الظروف التي تمر بها البلاد وخطورتها بالخوض في تفاصيلها، فيما المطلوب السرعة في اخراج البلاد من المأزق وذلك بتعديل المادة 49 من الدستور من دون افتعال العوائق والعقبات، توصلا الى انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، ليعمل على انقاذ لبنان مما هو فيه.
وينبغي على المعارضة من جهة اخرى، اذا كانت مخلصة للوطن وشاعرة بعذابات الناس ومعاناتهم، ان تعود الى احكام الدستور ولا تظل متجاوزة اياها كما اعتادت ذلك خلال المدة الاخيرة من عهد الرئيس لحود. فأحكام الدستور تنص على انتخاب رئيس للجمهورية اولا وبعد ان يقسم اليمين، يباشر اجراء استشارات نيابية ملزمة لتسمية رئيس الحكومة الذي يجري بدوره مشاورات مع الاحزاب والكتل النيابية من اجل تشكيل الحكومة، وعندها يحق لكل حزب او كتلة ان تعرض شروطها ومطالبها وتطرح اسئلتها لقبول المشاركة فيها او عدم المشاركة سواء ما يتعلق منها بحصتها من المقاعد الوزارية وبالحقائب وبمضمون البيان الوزاري. فاما ان يتوصل الرئيس المكلف الى اتفاق معها على شروط مشاركتها في الحكومة، ويعرض على رئيس الجمهورية حصيلة مشاوراته النيابية توصلا الى اتفاق على اصدار مرسوم بتشكيلها، واما ان الرئيس المكلف لا يتوصل الى اتفاق على ذلك سواء مع الاحزاب والكتل الاساسية واما مع رئيس الجمهورية نفسه فيعتذر عندئذ عن عدم تمكنه من تشكيل حكومة وعندها يجري رئيس الجمهورية استشارات جديدة لتسمية مرشح آخر يكلفه تشكيل الحكومة.
هذه الآلية الدستورية هي الآلية المعتمدة منذ الاستقلال سواء بموجب دستور ما قبل الطائف او بموجب دستور ما بعد الطائف باستثناء الاستشارات النيابية التي لم تكن ملزمة في الدستور القديم، وان عددا من رؤساء الحكومة المكلفين تشكيل الحكومة، يواجهون عقبات يتعذر عليهم تذليلها أكانت طبيعية او مفتعلة، فانهم كانوا يعتذرون عن مواصلة عملية التشكيل، وهو ما حصل للرئيس الشهيد رفيق الحريري في اواخر ولاية الرئيس لحود الممددة بعدما ادرك ان ثمة من يتعمد عرقلة مساعيه لتشكيل الحكومة، فصار تكليف الرئيس عمر كرامي، فكان للجهة المعرقلة الحكومة التي ارادت من اجل التصدي للقرار 1559 ومنع تنفيذه حرصا على ابقاء القوات السورية في لبنان وعدم نزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية.
لذلك، ليس من حق المعارضة مفاوضة العماد ميشال سليمان كمرشح للرئاسة الاولى على شروط ومطالب لان الدستور لا يمنحه حق التعهد بتنفيذها انما يعود هذا الحق لرئيس الحكومة عندما يباشر عملية تشكيلها، عدا ان المعارضة اذا كانت تؤيد العماد سليمان بصدق وتثق به فليس لها ان تضع شروطا عليه او تطرح مطالب وتربط تنفيذها او الاخذ بها بتأييد ترشيحه. حتى ان ما يعد به الرئيس المكلف الاحزاب والكتل لتسهيل مهمته في تشكيل الحكومة، قد لا يستطيع الوفاء بما وعد به الا عندما تبحث هذه المطالب والشروط خلال وضع البيان الوزاري.
وليس من حق رئيس كتلة المستقبل، النائب سعد الحريري ان يفاوض المعارضة على مطالبها وشروطها كما يقترح البعض ولا سيما مفاوضة العماد ميشال عون على مضمون مبادرته، لان ليس له صفة للتفاوض سوى انه رئيس كتلة وليس رئيسا مكلفا تشكيل الحكومة، وهو غير مكلف بعد ما دامت الاستشارات النيابية لم تجر واجراؤها يتم بعد انتخاب رئيس الجمهورية، وما دامت المعارضة او بعضها يرفض تكليفه ولا تكليف السنيورة وقد يطلب تكليف رئيس من خارج قوى 14 آذار.
ان تصرف المعارضة منذ ان انتهت ولاية الرئيس لحود هو تصرف من يريد تعريض البلاد للفراغ الرئاسي الى اجل غير معروف وهو ما جعلها ترفض ليس مرشحي قوى 14 آذار فحسب، بل جميع المرشحين التوافقيين الآخرين الذين وردت اسماؤهم في لائحة البطريرك صفير. وبما انها لا ترى من المعقول ولا المقبول رفض ترشيح العماد ميشال سليمان، فانها تلجأ الى ما يجعل هذا الترشيح مرفوضا ضمنا وذلك بربط الاتفاق على مطالبها شرطا لقبول تعديل المادة 49 من الدستور لاتاحة انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، وكأن المعارضة او بعضها، تريد ان يكون لـ”حزب الله” ثمنا لانتصاره على اسرائيل، حق المشاركة في السلطة من خلال “الثلث المعطل” كي تتحكم بقرارات الاكثرية ريثما تجرى انتخابات نيابية قد يكون له مع حلفائه اكثرية المقاعد النيابية فتنتقل اليه السلطة بكاملها فينبغي ان يكون للجيش الذي انتصر ايضا في حربه على الارهاب في مخيم نهر البارد حق السلطة كي ينتصر على مؤامرة الفراغ ويقيم الدولة المدنية والديموقراطية القوية القادرة ومعها ايضا حكم القانون والمؤسسات الذي يساوي بين اللبنانيين ويرسخ وحدتهم الوطنية ويعمق اسس العيش المشترك فهل في الامكان تحقيق ذلك؟
يجيب النواب انفسهم في قوى 14 آذار ان الامر يتوقف على قرار يتخذه الرئيس بري ليس بصفته رئيسا لمجلس النواب فحسب، بل رئيسا لحركة “امل” سواء بالاتفاق مع “حزب الله” او بمعزل عنه، وعلى قرار آخر يتخذه النائب ميشال المر وهو من اوائل من رشحوا علنا العماد ميشال سليمان للرئاسة الاولى والنائب ايلي سكاف رئيس كتلة زحلة الشعبية وحزب الطاشناق، سواء بالاتفاق مع العماد عون او بدون الاتفاق معه، على وجوب حضور جلسة تعديل المادة 49 من الدستور لاتاحة انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية لان النواب جميعهم وعلى اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم في مواجهة خيارين: اما انتخاب العماد سليمان كرئيس انقاذي واما انتخاب الفراغ كمرشح انتحاري؟