رئيس أم فراغ رهن تطورات الخارج ؟
سركيس نعوم
سوريا والجمهورية الاسلامية الايرانية لا تريدان قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية اللبنانية، استنادا الى مصادر سياسية مطلعة على شؤون الداخل وعلى مواقف الجهات الخارجية المعنية بلبنان والمنطقة. ولا يعود ذلك الى عيب فيه، ذلك ان تاريخه منذ تعيينه قائداً للجيش رغم التغيرات الهائلة والدراماتيكية التي شهدتها البلاد، يشير الى تمتعه بالحكمة والموضوعية والتوازن والوطنية وكذلك التزامه النظام الديموقراطي البرلماني والمقاومة حتى تحرير التراب اللبناني كاملا من الاحتلال الاسرائيلي وبناء دولة حقيقية، واقامة علاقات جيدة جداً مع سوريا لا تُلغي لبنان واستقلاله. لكنه يعود الى مصالحهما المشتركة فضلاً عن المصالح المستقلة لكل منهما والتي تقتضي ايقاع لبنان في فراغ رئاسي بل في غياب “دولتي” ومؤسساتي شامل كي تتمكنا من الاستمرار في استعماله ساحة في مواجهاتهما الاقليمية والدولية، وفي استخدام شعوبه ادوات حرب بالوكالة، ربما لان ظروفهما لا تسمح لهما على الاقل حتى الآن بخوض حرب علنية ومباشرة مع اخصامهما في المنطقة والعالم. انطلاقا من ذلك تعتقد المصادر اياها ان الفراغ في الرئاسة الذي بدأ يوم الرابع والعشرين من الشهر الماضي مستمر وسيطول. وتعتقد ايضاً ان اعمالا مخلة بالامن او بالاستقرار قد تقع في ظله، وإن على نطاق ضيق، لان ضبط الاوضاع مئة في المئة هو من المستحيلات. وتعتقد ثالثاً ان الربيع المقبل الذي يحمل معه تحسناً في المناخ والطقس لا بد ان يحمل معه تحسناً في الطقس السياسي اللبناني ينعكس ربما انتخابا لرئيس الجمهورية واطلاق مسيرة بناء المؤسسات وتالياً الدولة. والدافع الى هذا الاعتقاد معلومات تملكها تلك المصادر وتشير الى ان حربا في المنطقة قد لا تكون بالضرورة برية ستقع وستشمل ايران وربما غيرها وستؤدي في النهاية الى ارباك المحور السوري – الايراني الذي يعقد امور لبنان ويدفعه نحو الانفجار. وبديهي ان معلومات كهذه تؤكد ان اي صفقة على حساب لبنان لن تعقد بين المجتمع الدولي بل بين زعيمه الاميركي من جهة، وسوريا وايران من جهة اخرى.
ما هو مدى صحة هذا الاعتقاد؟
واضح ان الاساس الذي يستند اليه هو الموقف السلبي للادارة الاميركية من ايران واحتمال اتخاذ الاولى قرارا بتوجيه ضربة عسكرية قاصمة الى الثانية وتنفيذه. لذلك فان السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل لا تزال هذه الضربة ممكنة؟ والجواب عنه هو في الحقيقة جوابان ينطويان على بعض التناقض او ربما على كثير منه. الجواب الاول، يقدمه متابعون اميركيون من واشنطن لاوضاع لبنان والمنطقة برمتها يفيد ان موقف الجمهورية الاسلامية الايرانية لم يكن بناءً ومفيداً بل هو كان محارباً ومشاكساً اثناء اجتماع انابوليس في 27 تشرين الثاني الماضي الامر الذي زاد من سوء وضعها داخل الادارة الاميركية.
ويفيد ايضاً بوجود اتفاق اميركي – عربي (دول الاعتدال) على ضرورة فرض مزيد من العقوبات على ايران مع استمرار محاولات ادارة بوش احتواءها بطريقة او اخرى الى ان تتجاوب بالحسنى او بغيرها. ويفيد ثالثا ان حلفاء اميركا من الاوروبيين او معظمهم مع العرب المشار اليهم لم يكتفوا بتأييد فرض العقوبات بل طلبوا التشدد فيها. ويفيد رابعاً ان كل ذلك صب في نهاية الامر في مصلحة المتشددين، اي الصقور داخل الادارة في واشنطن الذين يدفعون في اتجاه ضرب ايران عسكرياً، وذلك عمل يمكن ان يحدث الربيع المقبل وربما اواخر شهر آذار.
اما الجواب الثاني فينطلق ليس من المواقف السابقة لادارة بوش من ايران، ولكن من التقرير الذي صدر قبل ايام عن وكالات الاستخبارات الاميركية كلها و”برّأ” ايران، اذا جاز التعبير، من تهمة الاستمرار في العمل لتصنيع اسلحة نووية بتأكيده ان ذلك توقف عام 2003، واكد مواجهة العلماء الايرانيين صعوبات ومشكلات كثيرة في تنفيذ مشروع تخصيب الاورانيوم.
ومن شأن هذا التقرير الذي سيأخذ مداه من البحث داخل واشنطن، بل في اميركا كلها على ما يلفت المتابعون الاميركيون انفسهم، ان يضرب او بالاحرى ان يضعف كثيرا خطة الرئيس بوش لفرض عقوبات جديدة اكثر قسوة على ايران عبر مجلس الامن، ومن شأنه ايضاً ان يضرب او يضعف، او بالاحرى يجمد الخطة الموضوعة لتوجيه ضربة عسكرية قاصمة الى ايران اواخر آذار المقبل. ومن شأنه اخيراً الافساح في المجال امام الادارة الاميركية الجديدة التي سينتخب رئيسها الخريف المقبل وتتسلم السلطة مطلع سنة 2009 كي تقلب صفحة في علاقات اميركا بايران، والمقصود بذلك فتح صفحة ايجابية الى حد ما باعتبار ان الصفحة او الصفحات السابقة كانت ملأى بالسلبية. لكن ذلك لن يكتمل الا اذا ربح المعتدلون والاصلاحيون الانتخابات التشريعية في ايران بعد اشهر قليلة وربما رئاسة الدولة بعد اشهر اخرى من اجرائها. ذلك ان من شأن هذا الربح ان يسمح لايران بدورها بفتح صفحة ايجابية نوعا ما مع اميركا الادارة الجديدة، اذذاك ربما تكون هناك فرصة او مجال لانفراج بين الدولتين او لاتفاق او ربما لما هو اكثر من ذلك. انطلاقا من ذلك كله يصل الجواب الثاني الى حد استبعاد الضربة العسكرية لايران. هذه التطورات، يقول المتابعون انفسهم، لا تستطيع سوريا بشار الاسد الا ان تأخذ علماً بها. فايران التي عولت عليها في مواجهتها مع اسرائيل واميركا قد لا تبقى في موقع القادر على الدعم او الراغب في تقديمه. ولذلك فانها، اي سوريا، قد تفضّل الاصغاء الى الحوافز والاغراءات التي قدمها اليها اشقاؤها العرب (وردت في “المقال” امس) وربما الاستعداد للاصطفاف من جديد في خط الاعتدال العربي المصطف مع اميركا. الا ان ذلك كله يجب ان يبدأ من لبنان وبخطوات ايجابية فيه.
ماذا يعني ذلك؟ وهل يعني ان الفراغ الرئاسي سيطول وتصاحبه اجواء عدم استقرار ام انه سيكون موقتا؟
الحقيقة لا جواب جازماً عن ذلك. فاذا كان الجواب الاول صحيحاً يكون على اللبنانيين ان يعيشوا محنة قاسية جديدة. اما اذا كان الجواب الثاني صحيحاً فان بلورته قد لا تتم في سرعة الامر الذي قد يبقي الاستحقاق الرئاسي مهددا ومعه الاستقرار، الا اذا تحرك اللاعبون الاقليميون والدوليون سريعاً لاحتواء الوضع اللبناني لمنعه من خربطة “ايجابيات” الخارج.