الجنرال عون بين الأمس واليوم
عوني الكعكي
… كنا نتمنى ألا تذهب المعارضة الى هذا الحد في العرقلة، الى درجة انها ترغب في نسف كل المقاييس، واعتبار الدستور وكأنه لم يكن، ولا تقبل بأي حل، وهمّها الأكبر فرض شروطها التعجيزية..
.. وكنا أيضاً نرغب في تجنب إثارة المواضيع الخلافية، كي نساهم في الحد من التوترات، ولكن عندما بلغ السيل الزبى، لم نعد نستطيع إلا وضع النقاط على الحروف حتى تكون كل الأمور واضحة وضوح الشمس أما الرأي العام..
.. وإذا لجأنا الى التذكير، لعلّ الذكرى تنفع، بممارسات البعض ماضياً وتفسيرها حاضراً، فلأننا بصورة أو بأخرى نريد إثبات أن هؤلاء قاموا بتغيير مواقفهم، وانضموا الى جوقة المعرقلين للاستحقاقات الدستورية، نتيجة هوسهم بالوصول الى كرسي الرئاسة، وأيضاً لارتباطاتهم بملفات إقليمية..
.. المسألة هنا تقتضي الكثير من الدقة لشرحها، وصولاً الى معرفة أسباب ما يجري على الارض اللبنانية، عندها من الممكن جداً القول “إن المعارضة تخوض لعبة جهنمية خطيرة غير مكترثة لا بالبلاد ولا بالعباد”..
.. هنا، فإن العودة الى الماضي مفيدة للغاية، خصوصاً إذا عدنا الى الجنرال ميشال عون بالأمس، وقمنا بمقارنة باليوم، فقط لاننا نريد التذكير حتى يكون حكم الناس صائباً..
.. اثناء تولي الجنرال ميشال عون رئاسة الحكومة الانتقالية، بتكليف من رئيس الجمهورية الأسبق أمين الجميّل، الذي انتهى عهده، ولم ينتخب مجلس النواب رئيساً جديداً عام 1988، في تلك الفترة قام رجل أعمال لبناني يرافقه رئيس تحرير اسبوعية لبنانية واسعة الانتشار بزيارة الجنرال عون، وأبلغاه بأن مرجعية لبنانية كبيرة ووزيراً سابقاً على علاقة أكثر من ممتازة مع سورية يستطيعان ان ينصبّاه رئيساً شرعياً للجمهورية اللبنانية، ولكن، بشرط ان يتعهد – أي عون – بأن يكون وزير المالية من طائفة معينة.
وكان جواب الجنرال عون، انه اذا أصبح رئيساً للجمهورية لا يستطيع أن يلزم شريكه في الحكم، رئيس الحكومة، بمثل هذا الطلب، ومن ثم هناك أصول دستورية يجب اتباعها..
.. هذا في الماضي، أما في الحاضر، فإن الجنرال ميشال عون قام بتغيير جذري في تفكيره، وهو يريد الآن أن يقيّد رئيس الجمهورية المقبل وقبل ان ينتخب بسلسلة من الشروط التعجيزية، تبدأ بتحديد اسم رئيس الحكومة المقبل، والحقائب الوزارية التي يريدها.
… بالأمس كان الجنرال يحكي عن الاصول الدستورية والأعراف، اما اليوم فهو ضد كل الاصول والمواثيق والدستور.
.. الخطير في الامر ان المعارضة تتلطى خلف موقف الجنرال، ووافقت على شروطه التعجيزية، وهذا وحده يبدو كافياً للقول “إن المعارضة على ما يبدو لا تريد انتخابات رئاسية، وهي تعمل لاستمرار الفراغ للوصول الى الفوضى”.
.. كيف يمكن، بهذا المعنى، ان توقع الأكثرية على تقييد رئيس الجمهورية قبل ان ينتخب، وكيف يمكن إلغاء الاستشارات النيابية الملزمة، وكيف يمكن حرمان النواب المنتخبين ديموقراطياً من حقهم في تسمية رئيس الوزراء كما ينص الدستور؟!.
وكيف يمكن تحديد نقاط البيان الوزاري قبل انتخاب رئيس الجمهورية، وقبل تشكيل الحكومة؟!.
اسئلة كثيرة تُطرح، ولكن مع ذلك، فإن الجنرال ميشال عون لا يستطيع الإجابة، وهو مصر على شروطه التعجيزية.