المعارضة “مطمئنـة ” إلى تنازل المـوالاة: من أنتـج رئيساً سينتج حلاً لما بعـده !
ابراهيم بيرم
عندما قيل لرئيس مجلس النواب نبيه بري ان مهمة وزير الخارجية برنار كوشنير محكوم عليها سلفا بالاخفاق، استغرب الامر وقال لمحدثه: “بحسب المعطيات المتوافرة لدي فان الرجل يأتي الينا ربما للمرة الاولى، وهو يحمل تكليفا ليس فرنسيا فحسب، بل اوروبيا وعربيا واميركيا لايجاد حل لعقدة ما بعد التوافق على تمهيد الطريق لبلوغ قائد الجيش العماد ميشال سليمان قصر بعبدا، وهو لن يغادر بيروت قبل تحقيق المأرب الذي أتى من اجله”.
وتابع بري: “وانا اضيف ان حل العقدة لا ريب آت”.
وتابع بري: “وانا اضيف ان حل العقدة لا ريب آت”.
على هذه المعطيات استند بري ليبدأ تنفيذ خريطة طريق لبلوغ المنشود وبلورة الحل وهي تقوم في رأيه على جزأين:
1 – التمهيد الدستوري لانتخاب العماد سليمان للرئاسة الاولى. وفي رأيه ان الامر مضمون وفي الامكان تنفيذه خلال ساعتين.
2 – سياسي وله عند بري تصوران: جمع النائب سعد الحريري بالنائب العماد ميشال عون في حضور كوشنير لتكون امامهما فرصة لتضييق التباعد في الرؤى، والتوصل الى قواسم واقتناعات مشتركة تضمن تظهير الحل، وهو امر لم يكتب له النجاح، ولقاء يجمعه (اي بري) والحريري وعون ورابعهم كوشنير، وهو احتمال لم تنقطع الآمال والاتصالات في شأن التوصل اليه. ويمضي بري في معرض عمله لتدوير الزوايا الى حد دحض طروحات الموالاة وتنظيراتها حول ان الشروط المسبقة التي يطرحها العماد عون من شأنها ان تعرقل الجهود لملء الفراغ الرئاسي وبالتالي تكبل الرئيس العتيد بجملة التزامات واثقال، فضلاً عن كونها تنال من الآلية الدستورية اللازمة لتأليف الحكومات وتوزيع الحقائب فيها. ويقول: هذا الكلام غير صحيح ولا ينطبق على واقع الحال المأزوم و”الوقت المحشور”. ففي السابق كنا ننتخب رئيس الجمهورية في مطلع المهلة الدستورية للانتخاب وكانت مهمته الشهرين الباقيين فرصة له كي يشكل فريق عمله ويرسي آلية توجهاته، ويشرع في استشاراته ومشاوراته مع الكتل والشخصيات، لكن الأمر مختلف اليوم ونحن تحت مقصلة الوقت الداهم، وتحت وطأة الفراغ الثقيل، وفي ظروف استثنائية، وبالتالي لا غضاضة اطلاقاً لو تجاوبنا مع مطلب الاتفاقات والتفاهمات المسبقة لان ذلك من شأنه ان يسمح للرئيس العتيد بالتعجيل في اصدار المراسيم اللازمة لتنطلق الحكومة في رحلتها فوراً من دون اي عراقيل. وواضح ان بري يميل الى تبني منطق العماد عون ومطالبته بالاتفاقات المسبقة، ولا تخفي اوساط بري انه كان متفهماً الى حد بعيد سلسلة الاسئلة التي طرحها عون على كوشنير خلال لقائه وإياه في اليوم الاول لوصول رئيس الديبلوماسية الفرنسية الى بيروت قاطعاً جولته الجزائرية مع رئيسه نيكولا ساركوزي.
وفحوى اسئلة عون التي اثارها لتبرير اعتصامه بمطلب التوافق على السلة المتكاملة هي من يضمن لنا التعهدات التي يحاول بعضهم اخذها على عاتقه اذا ما قرر مثلاً رئيس الحكومة الجديد الاستقالة؟
ومن يضمن لنا ألا يكون هناك مكمن معد سلفاً بعد انتخاب الرئيس يقوم على حل الفراغ الرئاسي واطالة امد الفراغ الحكومي على نحو يبقى الرئيس فؤاد السنيورة ممسكاً بمقاليد الامور كما هو عليه الآن؟
ومن يضمن لنا على سبيل المثال، ألا تشغر قيادة الجيش بعد انتقال العماد سليمان منها الى الرئاسة الاولى، لمدة طويلة فيمهد ذلك الطريق ليشغل رئيس الاركان هذا المنصب بالوكالة لمدة غير محددة، تحت ذريعة التباين والعجز عن الاتفاق على ضابط يملأ الفراغ؟
ويلاقي بري العماد عون في مكان آخر، اذ يقول للقريبين منه انه “بعد التفاهم على ترشيح العماد سليمان لم تعد المشكلة عند العماد عون بل عند الطرف الذي يعتبر أن القبول بترشيح قائد الجيش للرئاسة الاولى، هو اقصى ما يمكن ان يقدمه، وان هذا الطرف اقفل جيبه بابرة وخيط وقال ان على الآخرين ان يباشروا الدفع”، ففي رأي بري ان هذا الأمر غير صحيح ولا يخدم الحل السياسي، الذي يستوجب تنازلات مشتركة من الموالاة والمعارضة على حد سواء.
ولئن كان بري يرى في مطالب عون ولائحة اسئلته امراً منطقياً ومشروعاً ويتعين على الآخرين التفاوض معه عليها وتقديم اجابات عنها، فان مصادر “حزب الله” القيادية، تجاهر بتبنيها الكامل لكل طروحات عون والرؤى التي يتمسك بها.
وفي رأي هذه المصادر ان ما يطالب به عون هو الضمان الوحيد لانطلاق قاطرة الحكم في المرحلة المقبلة، واهمالها من الفريق الآخر او القول انها غير قابلة للتحقيق يعني ان لا حل سياسياً وشيكاً وان الازمة مقيمة الى اجل غير معلوم.
وتقر المصادر نفسها بمقولة ان ثمة سوء فهم سياسياً لدى الطرفين للمرحلة المقبلة، يضاف اليه بطبيعة الحال انعدام ثقة كبير بفعل التجربة الماضية التي لم يمر عليها الزمن، لذا لا بد من حد ادنى من الاتفاق والتوافق على العناوين العريضة لمرحلة ما بعد انتخاب العماد سليمان لدعم موقع الرجل الآتي من تاريخ من النضالات، ولتأمين الزخم المطلوب لتكون انطلاقته غير متعثرة.
والحزب ما برح مقيماً على اقتناع اكيد ان مطالبة عون باسم المعارضة كلها بالاتفاق المسبق على تظهير معالم المرحلة السياسية التي ستلي انتخاب الرئيس امر شرعي ولا غبار عليه، ولا يمكن على الاطلاق تصديق ما تروجه الموالاة في هذا السياق عن ان هذا الموقف يندرج في خانة اطالة امد الفراغ الرئاسي.
فالمعارضة، ووفق رؤية الحزب التي ابتليت في المرحلة السابقة باخلال فريق الموالاة بتعهداته وتحالفاته وبغدره بمسألة الشراكة الوطنية في القرار، لا يمكنها ان تتخلى عما رفع العماد عون لواءه خصوصاً الضمانات المطلوبة لاعادة التوازن وتأمين شراكة حقيقية للمسيحيين وكل المقصيين عن القرار، ولادارة البلاد وحكمها على النحو الذي ينهي الظلال السوداء للازمة الوطنية المتفاقمة التي بلغت حداً لم يعد في مقدور الموالاة نفسها تحمل تبعاتها وتداعياتها.
وبالطبع لا تتصرف المعارضة على اساس ان الازمة وشيكة الوصول الى مخرج، لذا تقيم ضمناً على اقتناع مفاده ان الزخم او السياق العربي – الدولي الذي انتج وظهّر الاتفاق على ترشيح العماد سليمان، بعدما كان ترشيحه في لائحة المحرمات عند الموالاة حتى الامس القريب، ان هذا الزخم نفسه هو الكفيل انتاج توافق واتفاق على مرحلة ما بعد انتخاب سليمان، وهو بطبيعة الحال سيفرض على الموالاة ان تتنازل عن كثير مما تعتبر انه يُدرج في لائحة المحرمات والممنوعات، واولها ضمان المشاركة الحقيقية للجميع في القرار الوطني. والزخم او السياق العربي – الدولي نفسه الذي قبل بسليمان رئيساً يدرك تمام الادراك ان المعادلة الداخلية التي اجبرته على الانصياع لهذا الامر ما برحت حاضرة، وهي نفسها ستكرهه على فعل الشيء نفسه لمرحلة ما بعد الرئاسة الاولى، وان طال الوقت.
ذلك هو رهان المعارضة، فهل سينجح؟ الجواب في ظهر الغيب.